يواصل "مخيم الأزرق" للاجئين ترسيخ مكانته كأحد أبرز نماذج الاستجابة الإنسانية المنظمة في المنطقة، حيث يحتضن نحو 34 ألف لاجئ سوري ضمن بيئة خدمية متكاملة، تقودها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالتعاون مع الحكومة الأردنية وشبكة واسعة من الشركاء الدوليين والمحليين، إلا أن هذا النموذج يواجه في الوقت ذاته تحديات متزايدة، أبرزها تراجع التمويل وارتفاع الضغط على البنية التحتية والخدمات الأساسية.
ومنذ تأسيسه عام 2014، تم تصميم المخيم وفق نظام القرى، ما ساهم في تعزيز روح الانتماء والمشاركة المجتمعية بين السكان، ويضم المخيم مرافق متكاملة تشمل مدارس ومراكز صحية ومجتمعية وبنية تحتية متقدمة للطاقة والمياه.
وتقود المفوضية عمليات تسجيل اللاجئين وإصدار الوثائق الرسمية، بما في ذلك شهادات الميلاد والزواج، بالتنسيق مع الجهات الحكومية المختصة، ما يضمن حماية الحقوق القانونية للسكان. كما تشرف على برامج الحماية التي تشمل الدعم القانوني، وإدارة الحالات، ومساندة الفئات الأكثر ضعفاً، مثل الأطفال والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة.
كما يواصل برنامج الأغذية العالمي تقديم مساعدات نقدية شهرية بقيمة 15 ديناراً للفرد، عبر أنظمة رقمية متطورة تعتمد على بصمة العين، ما يسهل عملية الشراء ويعزز الشفافية. غير أن هذه المساعدات شهدت انخفاضاً بنسبة 35% مقارنة بالسنوات الماضية، نتيجة نقص التمويل، ما انعكس على القدرة الشرائية للأسر.
وفي خطوة إيجابية، استأنف البرنامج في سبتمبر 2025 برنامج التغذية المدرسية بعد توقف دام خمس سنوات، حيث يتم توفير وجبات يومية صحية للطلبة داخل المدارس، ما يسهم في تحسين التغذية وتعزيز الانتظام الدراسي، إضافة إلى توفير فرص عمل للاجئين داخل مطابخ الإنتاج.
ويحظى قطاع التعليم بأولوية كبيرة داخل المخيم، بدعم من منظمة الأمم المتحدة للطفولة، حيث يلتحق أكثر من 7800 طالب بالتعليم النظامي، إلى جانب مئات الطلبة في برامج التعليم غير الرسمي.
وتشمل الجهود التعليمية برامج دعم القراءة والرياضيات للطلبة المتعثرين، إلى جانب توفير بيئات تعليمية آمنة من خلال مراكز "مكاني"، التي تقدم خدمات متكاملة للأطفال والشباب وأولياء الأمور. كما يتم توفير وسائل نقل مخصصة للأطفال ذوي الإعاقة، في إطار تعزيز التعليم الدامج.
وعلى صعيد التعليم العالي، تمكن العشرات من اللاجئين من الالتحاق بالجامعات عبر برامج منح دراسية دولية، ما يعزز فرصهم المستقبلية خارج المخيم.
وتتوفر خدمات الرعاية الصحية من خلال ثلاثة مراكز للرعاية الأولية ومستشفى داخل المخيم، تقدم خدمات تشمل العلاج العام، ورعاية الأمراض المزمنة، والصحة الإنجابية، والدعم النفسي. وتدعم صندوق الأمم المتحدة للسكان خدمات الصحة الإنجابية، فيما تساهم اليونيسف في برامج تغذية الأطفال.
ورغم هذه الجهود، أدى تراجع التمويل إلى تقليص القدرة الاستيعابية لبعض الخدمات، خاصة في أقسام الطوارئ والصحة النفسية، ما يزيد من الضغط على الكوادر الطبية العاملة.
ويُعد مخيم الأزرق أول مخيم لاجئين في العالم يعمل بالطاقة الشمسية، حيث يوفر نحو 15 ساعة من الكهرباء يومياً، مع جهود مستمرة لتوسيع الاعتماد على الطاقة النظيفة، كما تم إدخال أنظمة ذكية لإدارة استهلاك الكهرباء داخل بعض المساكن، ما يسمح بتوفير الخدمة على مدار الساعة لعدد من الأسر.
وفي قطاع المياه، يحصل السكان على كميات تتراوح بين 45 و60 لتراً يومياً للفرد، ضمن نظام متكامل يشمل الضخ والتخزين والتوزيع. كما تُدار النفايات الصلبة والمياه العادمة من خلال أنظمة مخصصة، رغم محدودية نسب إعادة التدوير.
وتشكل المساكن تحدياً رئيسياً، حيث تجاوزت معظم الوحدات السكنية عمرها الافتراضي، ما يستدعي أعمال صيانة أو استبدال عاجلة. وتعتمد المفوضية على حلول تشمل إعادة التأهيل أو الاستبدال، إضافة إلى دعم اللاجئين للقيام بأعمال الصيانة الذاتية.
كما تؤثر الأمطار خلال فصل الشتاء على حركة السكان داخل المخيم، إذ تتسبب في جعل بعض المناطق غير صالحة للتنقل، ما يعيق عمليات الاستجابة الإنسانية في الحالات الطارئة.
أما فرص العمل فهي محدودة داخل المخيم، حيث يشارك نحو 1200 لاجئ في برامج التطوع المدفوعة، فيما يدير آخرون مشاريع صغيرة داخل الأسواق المحلية، وتُبذل جهود لتوسيع فرص العمل خارج المخيم من خلال تسهيل تصاريح العمل بالتعاون مع منظمة العمل الدولية.
وعتمد استجابة "مخيم الأزرق" على شبكة واسعة من الشركاء، تشمل وكالات أممية مثل المنظمة الدولية للهجرة وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، إضافة إلى منظمات غير حكومية دولية ومحلية تعمل في مختلف القطاعات.
في ظل التحديات الحالية، فإن استدامة الخدمات في المخيم تعتمد بشكل كبير على استمرار الدعم الدولي، محذرين من أن أي تراجع إضافي في التمويل قد يؤثر بشكل مباشر على حياة آلاف اللاجئين.
ويظل "مخيم الأزرق" مثالاً على القدرة على بناء بيئة إنسانية منظمة، لكنه في الوقت ذاته يبرز الحاجة الملحة إلى دعم مستدام يضمن كرامة اللاجئين ويعزز فرصهم في الاعتماد على الذات.