بينما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يروّج في الكواليس لفكرة أن ضربة عسكرية مشتركة مع واشنطن قد تؤدي إلى انهيار النظام الإيراني خلال أيام، كانت تقديرات وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) تسير في اتجاه معاكس تمامًا، معتبرة أن مثل هذا السيناريو غير مرجح.
وفي كانون الثاني 2026، قدّم رئيس الموساد دودي برنياع، خطة طموحة لصناع القرار في تل أبيب وواشنطن، تضمنت تصورًا بإمكانية تحفيز تمرد شعبي واسع في إيران يؤدي إلى إسقاط النظام فور بدء أي هجوم عسكري.
لكن التطورات اللاحقة، وفق مصادر أميركية وإسرائيلية رفيعة، كشفت عن فجوة كبيرة بين التقديرات والنتائج، إذ لم يشهد النظام الإيراني انهيارًا سريعًا، بل تمكن من الصمود وتوسيع نطاق المواجهة، ما دفع الأطراف المعنية إلى مسار مختلف تمثل في مفاوضات مباشرة بمهلة زمنية أمريكية صارمة.
وتشير تقييمات استخباراتية لاحقة في تل أبيب وواشنطن إلى اتساع الخلافات داخل المنظومة الإسرائيلية، إلى جانب تباين واضح في الرؤى بين الجانبين الأميركي والإسرائيلي بشأن إدارة الملف الإيراني، وسط مخاوف إسرائيلية من أن أي اتفاق محتمل قد يفضي إلى إيران أكثر قوة وثراءً وقدرة على إعادة التموضع الإقليمي.
وكشف الكاتب الإسرائيلي يوسي يهوشوع، في مقال بصحيفة «يديعوت أحرونوت»، أن التقديرات المتفائلة التي قدمها الموساد قبل الحرب لم تكن دقيقة بما يكفي، مشيرًا إلى أن الخطة التي جرى تطويرها على مدى سنوات وجرى استثمار مليارات الدولارات فيها، واجهت انتقادات داخلية واسعة، قبل أن تنقل مسؤولية إدارة الملف الإيراني إلى الجيش الإسرائيلي في آذار 2024، في ظل تباين في الرؤى بين القيادات العسكرية والأمنية.
وبحسب تقارير متطابقة، فقد برزت توترات بين القيادات الأمنية الإسرائيلية، حيث عكست العلاقة المتوترة بين رئيس الأركان السابق هرتسي هاليفي، ورئيس الموساد دودي برنياع، خلافات حول جدوى بعض التقديرات العملياتية، فيما أشارت مصادر إلى أن القيادة السياسية في تل أبيب أعادت النظر في بعض خياراتها الاستراتيجية، مع تزايد الاعتماد على المؤسسة العسكرية.
وفي السياق نفسه، نقلت تقارير عن مصادر مطلعة في وسائل إعلام أميركية وإسرائيلية أن هناك تباينًا في الأهداف بين واشنطن وتل أبيب، إذ تركز إسرائيل على إضعاف بنية القيادة الإيرانية، بينما تركز الولايات المتحدة على تقليص القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية ومنع تطويرها.
وأشارت مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية إلى أن اختلاف الأهداف بين الطرفين بات واضحًا في مجريات العمليات.
وشهدت الإدارة الأميركية أيضًا خلافات داخلية، تمثلت في استقالة مسؤولين أمنيين بارزين، من بينهم مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، احتجاجًا على مسار الحرب، وسط اتهامات متبادلة بشأن طبيعة المعلومات الاستخباراتية وتقييم القدرات الإيرانية النووية.
في المقابل، أعربت دوائر سياسية وأمنية إسرائيلية عن قلقها من مسار المفاوضات الجارية، خصوصًا فيما يتعلق بمصير مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، والذي يقدر بنحو 450 كيلوغرامًا، وسط تساؤلات حول آليات التعامل معه في أي اتفاق محتمل.
وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن المقترح الأميركي المطروح لإنهاء الأزمة يتضمن 15 بندًا رئيسيًا، تشمل تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وقف التخصيب داخل إيران، تسليم المواد المخصبة، وتفكيك منشآت نووية رئيسية، إضافة إلى قيود على البرنامج الصاروخي ووقف دعم الجماعات الإقليمية، مقابل رفع العقوبات الدولية وتقديم دعم لبرنامج نووي مدني.
لكن تل أبيب تبدي مخاوف من أن يؤدي التوجه الأميركي نحو «اتفاق إطار» سريع إلى تخفيف الضغوط على طهران قبل استكمال تنفيذ جميع الشروط، خاصة في ظل مقترحات لوقف إطلاق نار مؤقت يتبعه مسار تفاوضي تدريجي.
وفي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أن إيران وافقت على عدم امتلاك سلاح نووي وأنها قدّمت «مبادرة مهمة» تتعلق بملف الطاقة ومضيق هرمز، تتواصل التحفظات الإسرائيلية التي تحذر من أن أي اتفاق غير مكتمل قد يمنح إيران فرصة لإعادة بناء قوتها وتعزيز نفوذها الإقليمي.
وبين مسار عسكري لم يحقق أهدافه المتوقعة، ومسار سياسي تتسارع وتيرته في واشنطن، تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين مكاسب عسكرية آنية ومخاوف استراتيجية بعيدة المدى، في ظل ترقب لما سيؤول إليه «اليوم التالي» في الملف الإيراني.