لم تعد المنطقة كما كانت قبل اندلاع «حرب غزة» في تشرين 2023، إذ تحوّل الصراع من جولة عنف تقليدية إلى «زلزال جيوسياسي» أعاد رسم موازين القوى والتحالفات في الشرق الأوسط.
وفي آذار الحالي، يتشكل مشهد معقد تتقاطع فيه حقائق متناقضة: احتلال إسرائيلي مستمر لأجزاء واسعة من قطاع غزة، وتصاعد غير مسبوق للعنف في الضفة الغربية، مقابل تحركات سياسية واستراتيجية تعيد تعريف مفهوم «السلام» ذاته.
في هذا السياق، تعكس قراءات إسرائيلية نشرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت» ملامح هذه المرحلة، فبينما يتحدث بعض المحللين عن «سلام خفي» قائم على المصالح والتنسيق غير المعلن مع دول عربية، يسلّط آخرون الضوء على حالة إنهاك داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وانقسام داخلي متصاعد يهدد بتقويض هذا المسار.
التحولات التي فرضتها الحرب لم تقتصر على الميدان، بل طالت بنية النظام الإقليمي، إذ يرى خبراء أن الحرب أنهت فعليًا مرحلة «حل الدولتين»، ورسّخت لدى صناع القرار في إسرائيل قناعة بإمكانية فرض الوقائع عبر القوة، في ظل تراجع الضغوط العربية والدولية، كما أدت المواجهات المتزامنة مع أطراف إقليمية، إلى إضعاف ما كان يُعرف بمحور المقاومة، وتغيير التوازنات التي حكمت المنطقة لعقود.
في المقابل، تراجع الدور العربي إلى حد كبير، حيث بدت دول رئيسية في موقع المتابع أكثر من صانع القرار، مكتفية بإدانات سياسية دون خطوات عملية مؤثرة، هذا التراجع ترافق مع تحول واضح في الموقف الأمريكي، الذي لم يعد وسيطًا تقليديًا، بل شريكًا مباشرًا في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب، عبر اتصالات سياسية وأمنية مكثفة مع إسرائيل وعدد من الدول العربية.
وتشير معطيات متقاطعة إلى أن هذه الاتصالات تتناول مشاريع إقليمية واسعة، تشمل ممرات اقتصادية تربط الخليج بأوروبا، وتوسيع دائرة اتفاقيات التطبيع، إلى جانب ترتيبات أمنية تحت مظلة أمريكية.
وفي هذا الإطار، تبرز السعودية كطرف محوري في أي تسوية محتملة، مع تمسكها بشرط وجود مسار سياسي للقضية الفلسطينية، في مقابل رفض إسرائيلي واضح لهذا الطرح.
ورغم التراجع الظاهر في العلاقات العلنية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية منذ اندلاع الحرب، إلا أن الوقائع تشير إلى استمرار التعاون في مجالات أمنية واقتصادية خلف الكواليس، مدفوعًا باعتبارات استراتيجية، وفي مقدمتها مواجهة إيران، هذا التناقض بين الخطاب السياسي العلني والممارسة الفعلية يعكس طبيعة المرحلة، حيث تتقدم المصالح على الشعارات.
في الداخل الإسرائيلي، تتكشف صورة مقلقة لا تقل تعقيدًا عن المشهد الإقليمي، فالمؤسسة العسكرية، التي تخوض حربًا طويلة متعددة الجبهات، تواجه حالة إنهاك متزايدة، إلى جانب تصاعد التوتر مع الحكومة والتيارات اليمينية المتطرفة، وقد برزت هذه الأزمة بوضوح في الضفة الغربية، حيث يتزايد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، وسط اتهامات بفشل الجيش في ضبط هذه الهجمات أو منعها.
وتشير تقارير ميدانية إلى ارتفاع غير مسبوق في وتيرة العنف، في ظل بيئة من الإفلات من العقاب، وتسهيلات حكومية غير مباشرة عززت من نفوذ المستوطنين، هذا الواقع دفع قادة عسكريين إلى التحذير من تداعيات استراتيجية خطيرة، معتبرين أن هذه الممارسات لا تهدد الفلسطينيين فحسب، بل تضر أيضًا بأمن إسرائيل وصورتها الدولية.
وفي المحصلة، يتشكل واقع جديد يقوم على مفارقة أساسية: سلام غير معلن يتقدم على أساس المصالح الإقليمية، يقابله تصعيد ميداني وانسداد سياسي في الملف الفلسطيني.
وبين هذين المسارين، تتجه المنطقة نحو مرحلة أكثر غموضًا، حيث لم يعد السلام مرتبطًا بتسوية عادلة، بل بتوازنات قوة وتحالفات متغيرة.
ويبقى مستقبل هذا المشهد مرهونًا بثلاثة مسارات رئيسية: تطورات المواجهة مع إيران، ومسار العنف في الضفة الغربية، وطبيعة الانقسام داخل إسرائيل نفسها.