ليست كل أمومة تبدأ بولادة، ولا كل قلبٍ أمٍّ يحتاج إلى رحم. هناك نساء اخترن أن يكنَّ أمهاتٍ بالفعل لا بالدم، فصنعن من العطاء حياة، ومن الحنان وطنًا. هنّ أمهاتٌ حقيقيات، رغم أنهن لم يتزوجن؛ لأن الأمومة في جوهرها ليست نسبًا، بل احتواء، وليست بداية بيولوجية، بل رحلة ممتدة من الصبر والرعاية والحب. أنهن الأمهات البديلات في قرى الاطفال من يكابدن ويسهرن ويقلقن، وينسجن من خيوط النهار مع الليل وشاحًا من الأمان يلتف حول أبنائهن المولودين من أرحام القلوب لا الأجساد.
في قرى SOS في العقبة، لا تُقاس الأمومة بالبدايات، بل بما تتركه في القلوب. هنا، لم تبدأ الحكاية بولادة، بل بالحب والرعاية، وتكتمل بالانتماء والاهتمام.
الأم البديلة سهير الجوارنة، التي كرّست أكثر من ربع قرن من حياتها لرعاية الأطفال في دار SOS، عاشت معهم كل تفاصيل حياتهم اليومية؛ دراستهم، مرضهم، تعبهم، فرحهم، حزنهم… كل تفاصيلهم الصغيرة والكبيرة كانت جزءًا من حياتها، وكل يوم مضى معهم كان خطوة في رحلة الأمومة التي اختارتها بوعي وحب صادق.
الطفل يامن، القادم من مؤسسة الحسين الاجتماعية في عمّان، وكان عمره نحو شهر واحد فقط، ضحية تفكك أسري، لم يحمل من العالم شيئًا، ولم يعرف دفء الأم الأولى، لكنه وجد في سهير بداية مختلفة، ووجودًا كاملًا، وأمومة صادقة.
كبر يامن معها يومًا بعد يوم، وتحوّلت العلاقة بينهما إلى رابطة أعمق تتجاوز الرعاية اليومية، لتصبح أمومة مكتملة التفاصيل، لم يكن مجرد طفل في دار رعاية، بل ابنًا صنعته الأيام، وربّته التفاصيل، واحتضنه قلب لا يعرف التفرقة.
ومع اقتراب سنوات التقاعد، واجهت سهير أصعب قرار في حياتها؛ ففكرة الابتعاد عن يامن كانت تعني فقدان جزء كبير من روحها، لكنها اختارت أن تمنح هذه العلاقة امتدادًا، فاستوفت الشروط القانونية لاحتضانه، واصطحبته إلى منزلها في العقبة، ليعيش معها حياة متكاملة خارج أسوار المؤسسة.
ولم يكن يامن وحده؛ إذ يعيش معها اليوم أخوته من قرية الأطفال أيضًا، بعد أن بلغوا السن القانونية واختاروا ألا يتركوا “ماما سهير” وحدها، ورغم أنها ليست أمهم بصلة الدم، إلا أنها كانت لهم أمًا بالصبر والحنان والاهتمام، ليصبح المنزل الصغير بيتًا حقيقيًا للأسرة، حيث الحب هو الحبل السري للحياة فيه.
اليوم، يبلغ يامن نحو 16 عامًا، وأصبح “عكاز حياتها”، يقف إلى جانبها كما وقفت إلى جانبه منذ خطواته الأولى، ويذكّرها كل يوم بأن ما زرعته من حب لم يذهب سدى، لم يعد مجرد ابن، بل امتداد لكل ما منحته من عطاء، وتجسيد حيّ لكل سنوات الصبر والرعاية.
ومن خلال هذه الحكاية، تتجلى الأمومة في أصدق صورها؛ أمومة لا تُقاس بالولادة وحدها، بل بالاستمرار، وبالعطاء الذي لا ينضب، وبقلب يتسع ليمنح دون شروط.
سهير الجوارنة لم تكن أمًا بديلة، بل أمًا كاملة المعنى، اختارت أن تزرع بذار الحب، واستمرت حتى أثمر حبها حياة.
وفي عيد الأم، تبرز قصتها كرسالة حيّة لكل من يعتقد أن الأمومة ترتبط بالدم فقط؛ فهناك أمومة تُصنع بالحب، وتكبر بالاهتمام، وتترسخ بانتماء لا يمكن فصله عن القلب.
بيتها في العقبة ليس مجرد منزل، بل شاهد على أن بعض الأدوار في الحياة لا تنتهي… حتى بعد أن يُغلق الباب.