في طرف الحياة البعيد عن ضجيج المدن وتعقيدات العلاقات، يقف عوض شاهدًا بسيطًا على قسوة البشر.
رجلٌ يعيش حياةً بدائية ينقصها الكثير… حتى الماء النظيف لكنه يملك ما فقده كثيرون في زحمة الحضارة: قلبًا بريئًا يرى الأشياء كما هي، دون أقنعة ولا مجاملات.
حين قال للأخ الزميل محمد قرالة عبارته المختصرة العميقة: “يكفيك شرّ بني آدم” لم يكن يطلق حكمة عابرة، بل كان يلخّص عمرًا من الخذلان والصبر.
كان صوته يحمل غضبًا صامتًا، ودعاءً خفيًا بأن يحمي الله الإنسان من الإنسان.
في كلماته تختصر الحكاية كلها… أن الفقر قد يُحتمل، والحرمان قد يُصابر عليه، لكن انكسار الثقة بقلوب البشر هو الوجع الذي لا يجد له المرء ماءً يغسله ولا ظلًا يلوذ به .
في ازدحام العلاقات الإنسانية، نتعلّم متأخرين أن القرب ليس دائمًا مرادفًا للأمان، وأن الوجوه التي ألفناها قد تخبّئ بين ملامحها خيباتٍ لا نتوقعها.
ليس كل من جاورك قلبه لك، ولا كل من اقتسم معك الخبز والضحكة اقتسم معك صفاء الروح.
فثمة قلوبٌ تُجيد ارتداء الأدوار، وأرواحٌ تعرف كيف تقترب فقط لتتلمّس مواضع الوجع… ثم لا تتردّد في إصابتها .
العلاقة الإنسانية، في جوهرها الأول، كانت دائمًا ملاذًا دافئًا، وكتفًا تُسند عليه الروح تعبها غير أنها، في لحظاتٍ قاسية، تتحوّل إلى امتحانٍ مرير يكشف ازدواجية الإنسان؛ يمدّ يده بالحنان ظاهرًا، بينما يُخفي في داخله ما يكسر الطمأنينة.
وقد نحذر من شرّ الغريب، لكن الفجيعة الحقيقية أن يأتي الأذى من قريبٍ كنّا نراه حصنًا… فإذا به الباب الذي دخلت منه الخيبة.
كم من صداقةٍ خبا وهجها لأن الغيرة كانت أعمق من المحبة…
وكم من صلة رحمٍ تآكلت لأن المصالح علت على صوت الدم…
وكم من ثقةٍ تهشّمت حين تبيّن أن الصدق لم يكن سوى قناعٍ عابر
تعلّمنا الحياة أن الطيبة لا تعني أن نكون ساذجين، وأن الصفح لا يعني أن نُعيد فتح الأبواب للأذى ذاته.
ليست الحكمة أن نُغلِق قلوبنا، بل أن نحسن حمايتها.
أن نحبّ بوعي، ونقترب بحذرٍ جميل، ونمنح دون أن نُفرّط بأنفسنا .
“يكفيك شرّ بني آدم” ليست عبارة خوف، بل خلاصة فهم.
فهمٌ يقول إن النفوس ليست سواء، وإن القرب مسؤولية، وإن أجمل العلاقات تلك التي لا تُرهق الروح ولا تُطفئ نورها.
وأخيراً يبقى سلامك الداخلي أثمن من أي علاقة، وكرامتك أسمى من أي بقاء.
فمن لم يرَ نقاءك نعمة، لا يستحق أن يرى حضورك أصلًا.