دخلت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران منعطفًا خطيرًا بعد سلسلة اغتيالات استهدفت كبار قادة النظام الإيراني، بدءًا بالمرشد الأعلى علي خامنئي وقائد قوات الباسيج غلام رضا سليماني و10 من كبار قادة الباسيج، وصولًا إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، ما يمثل نقطة تحول استراتيجية في الصراع.
ويعتبر لاريجاني، الذي شغل رئاسة البرلمان وقاد المفاوضات النووية، شخصية محورية لم تكن تقل أهمية عن المرشد السابق، إذ كان يُنظر إليه كـ«المنفذ الفعلي» و«صاحب القرار المركزي» بعد مقتل خامنئي.
ووصفه مسؤولون إسرائيليون بأنه يتمتع بذكاء وقدرات سياسية وأمنية عالية، ويمثل ركناً أساسياً في قيادة النظام وإدارة الأزمات الداخلية والدولية.
وقد تمت عملية الاغتيال في شقة سرية بطهران، ما يكشف عن اختراق استخباراتي متقدم ومستمر للمؤسسة الإيرانية، وفق ما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية.
وتشير التقارير إلى أن المسؤولين الإيرانيين يعيشون حالة من الضغط والخوف من الملاحقة، ما يفاقم حالة الارتباك داخل النظام.
مع فقدان لاريجاني، يواجه النظام الإيراني فراغًا قياديًا كبيرًا، وسط شكوك حول قدرة الزعيم الجديد مجتبى خامنئي على قيادة البلاد بفعالية بسبب وضعه الصحي وتهديدات الاستهداف المباشر.
ويشير محللون إلى أن غياب لاريجاني، قد يميل كفة السلطة نحو المؤسسة العسكرية، ما قد يسرع اتخاذ القرارات، لكنه على حساب التنسيق المركزي وإدارة الأزمات الداخلية.
في الوقت ذاته، طال القصف الإسرائيلي القيادة العليا للباسيج، مستهدفًا قوة النظام الأيديولوجية والتطوعية، ما أدى إلى ظهور حالات غياب بين عناصرها نتيجة الخوف من الملاحقة، في خطوة تهدف إلى تقويض قدرة النظام على السيطرة الداخلية وقمع أي احتجاجات مستقبلية.
واستغلت إيران في المقابل موقعها الاستراتيجي عبر السيطرة الفعلية على مضيق هرمز، ما أدى إلى شلل شبه كامل لحركة ناقلات النفط والغاز.
وارتفعت أسعار النفط العالمية بنسبة 43%، وصولًا إلى 103 دولارات للبرميل، بينما قفز سعر الغاز في أوروبا بنسبة 65%، مع تقارير تشير إلى تعطّل نحو خُمس الإمدادات العالمية للطاقة، ما شكل ضغطًا سياسيًا واقتصاديًا كبيرًا على الولايات المتحدة.
في مواجهة هذه الضغوط، سعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتحريك المجتمع الدولي، بما في ذلك حلف الناتو، لتأمين الملاحة في المضيق، لكنه واجه ترددًا من الحلفاء، ما يعكس هشاشة النفوذ الأمريكي في المنطقة.
تهدف إسرائيل وفق مصادر أمنية إلى تحييد القدرات العسكرية الإيرانية، وإضعاف الباسيج وتهيئة الظروف للتغيير الداخلي، بالإضافة إلى منع إعادة بناء البرنامج النووي الإيراني، وتحويل إيران من تهديد وجودي مباشر إلى قوة منشغلة بإصلاح نفسها داخليًا.
ويرى خبراء أن نجاح هذه الاستراتيجية يُقاس بعدد الإنجازات الميدانية، مثل تدمير الأسطول العسكري للحوثيين في الخليج و70% من منصات إطلاق الصواريخ، ومنع النظام من السيطرة على الشارع أو تطوير قدراته النووية.
وتعكس الحرب كذلك تحولات عميقة في النظام العالمي، إذ يظهر دعم محدود من روسيا والصين، مع انخفاض قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها دون تكلفة باهظة، في حين تتفاعل القوى الإقليمية والدولية وفق حسابات منفعة ذاتية، ما يعكس نشوء عالم متعدد الأقطاب.
ويبقى السؤال الأكبر: هل ستؤدي هذه الضربات العسكرية إلى تحقيق الهدف الاستراتيجي، وهل سينهار تماسك النظام الإيراني الداخلي؟ الأيام والأسابيع القادمة ستحدد ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد نجحتا في «تحييد» التهديد الإيراني بشكل دائم، أم أن المنطقة على أعتاب مرحلة جديدة من الفوضى الممتدة والصراع المفتوح.