مع اقتراب المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى من مراحلها الحاسمة، تتكشف معطيات ميدانية واستراتيجية تشير إلى تعقيد غير مسبوق في مسار الحرب، وتبدد سريع لفرضيات الحسم السريع التي سادت في بدايتها.
فبعد أيام قليلة من انطلاق العمليات المشتركة، وجد كل من بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب نفسيهما أمام واقع مغاير، حيث لم تنجح الضربات في إسقاط إيران أو شل قدراتها، فيما تتصاعد الخسائر وتتجه الأنظار إلى مضيق هرمز بوصفه نقطة ارتكاز في الصراع.
تشير تحليلات عسكرية وسياسية إسرائيلية وأمريكية إلى تبلور أزمات متزامنة تضغط على صانع القرار في واشنطن وتل أبيب، أبرزها التحول الميداني من حرب خاطفة إلى حرب استنزاف طويلة، بعد أن نجحت إيران في استخدام ورقة إغلاق مضيق هرمز بأسلوب وصف بـ"الانتقائي والذكي»، مستهدفة ناقلات النفط المرتبطة بالغرب مع الإبقاء على تدفقات الطاقة نحو دول كبرى مثل الصين والهند، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط وتهديد فعلي للاقتصاد العالمي.
في هذا السياق، يقدم المحلل العسكري في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، رون بن يشاي، قراءة تفصيلية للاستراتيجية الإيرانية، معتبراً أن طهران انتقلت إلى استخدام أدوات ضغط غير تقليدية بعد تعثر سيناريو الضربة القاضية أو تغيير النظام، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدراتها البحرية.
ووفقاً لتقديراته، فإن هذا التكتيك لم يقتصر على التأثير الاقتصادي، بل أسهم في عزل الولايات المتحدة دبلوماسياً، حيث فشلت محاولات تشكيل تحالف دولي واسع لتأمين الملاحة، في ظل تردد أوروبي ورفض من دول رئيسية، مقابل موقف صيني داعم لإيران في المحافل الدولية.
وتشير المعطيات إلى أن إيران تتعمد عدم استخدام كامل قدراتها العسكرية في هذه المرحلة، بما في ذلك الصواريخ المضادة للسفن والألغام البحرية، ما يبقي سقف التصعيد مفتوحاً ويشكل عامل ردع لأي محاولة أمريكية لفرض فتح المضيق بالقوة.
في المقابل، تكشف مصادر أمريكية عن إخفاقات واضحة في التقدير الاستخباراتي والسياسي داخل الإدارة الأمريكية، حيث أقر مسؤولون بأن سيناريو إغلاق مضيق هرمز لم يُؤخذ بجدية كافية خلال مرحلة التخطيط، رغم التحذيرات المسبقة.
وتوضح التقارير أن عملية اتخاذ القرار اعتمدت على دائرة ضيقة من المستشارين، مع تهميش نسبي لآراء خبراء الاقتصاد والطاقة، وهو ما انعكس في ضعف الاستعداد لتداعيات ارتفاع أسعار النفط وتأثيرها على الداخل الأمريكي.
كما يبرز عامل العزلة الدبلوماسية كأحد أبرز تداعيات السياسات الأمريكية السابقة، إذ تواجه واشنطن صعوبة في حشد دعم حلفائها التقليديين، خاصة في أوروبا، الذين أبدوا تحفظاً على الانخراط في حرب لم يشاركوا في التخطيط لها.
ويرى مسؤولون وخبراء غربيون أن هذا التردد يعكس تآكل الثقة نتيجة سياسات أحادية سابقة، ما يحد من قدرة الولايات المتحدة على بناء تحالف فعال لإدارة الأزمة.
على الجانب الإسرائيلي، تتصاعد المخاوف من كلفة الارتباط العميق بالاستراتيجية الأمريكية، في ظل اعتماد متزايد على الدعم العسكري واللوجستي الأمريكي، خاصة في منظومات الدفاع الجوي. وتشير تقارير إلى تراجع مخزون صواريخ الاعتراض لدى إسرائيل بوتيرة مقلقة، نتيجة الاستنزاف المستمر، ما يفرض ضغوطاً إضافية على واشنطن لتأمين الإمدادات.
في الداخل الأمريكي، تعكس استطلاعات الرأي حالة انقسام واضحة حيال الحرب، حيث تظهر نسبة كبيرة من الأمريكيين معارضة للعمليات العسكرية وتشكيكاً في وجود استراتيجية واضحة لإدارتها، في غياب ما يُعرف بتأثير «الالتفاف حول العلم». كما تشير تحليلات سياسية إلى تراجع ملحوظ في التأييد الشعبي لإسرائيل، خاصة بين فئة الشباب، وهو تحول قد تكون له تداعيات بعيدة المدى على طبيعة العلاقة بين البلدين.
في ضوء هذه التطورات، يبدو أن مسار الحرب يتجه نحو مزيد من التعقيد، مع تزايد المؤشرات على أن الحسم العسكري السريع لم يعد خياراً واقعياً، وأن أي تسوية محتملة قد تعيد رسم ملامح التوازنات الإقليمية، في ظل قلق متصاعد من أن تفضي نتائجها إلى ترتيبات جديدة تعيد تشكيل النفوذ في المنطقة.