انعكاسات مهمة على الممارسة الصحية في الأردن
بلعاوي : قابلية التطبيق على الأصحاء ومرضى الأمراض المزمنة
كشفت دراسة علمية دولية رائدة بقيادة باحثين من جامعة البترا وبمشاركة مؤسسات بحثية دولية عن نتائج علمية مهمة تؤكد أن التمارين المتقطعة عالية الكثافة (HIIT) تعد من أكثر الأساليب فاعلية في تحسين صحة القلب والأوعية الدموية وتتفوق في العديد من المؤشرات على التمارين التقليدية متوسطة الشدة.
الدراسة التي اطلعت عليها "الرأي" ونشرت في المجلة العلمية المرموقة Letters in Biomathematics والمصنفة ضمن الربع الأول (Q1) في قاعدة بيانات سكوبس، جاءت على شكل تحليل تلوي شامل، وهو من أقوى أنواع الدراسات العلمية، إذ يجمع ويحلل نتائج عدد كبير من الأبحاث السابقة عالية الجودة، مما يمنح نتائجه موثوقية علمية مرتفعة وقابلية للتطبيق في الممارسات الصحية.
وجاءت هذه الدراسة بعنوان "تحليل تلوي لفعالية التدريب المتقطع عالي الكثافة (HIIT) على صحة القلب والأوعية الدموية"، كحصيلة جهد تعاوني بين باحثين من جامعة البترا إلى جانب شركاء دوليين، بهدف تقييم مدى فعالية هذا النمط من التمارين، الذي يتميز بكفاءته الزمنية، مقارنة بالتدريب التقليدي المستمر متوسط الشدة (MICT) مثل الهرولة، والذي يتطلب وقتا أطول.
وركز الباحثون على دراسة تأثير هذا النوع من التدريب على مجموعة واسعة من المؤشرات الحيوية المرتبطة بصحة القلب، بما في ذلك الحد الأقصى لاستهلاك الأكسجين (VO2 max)، وضغط الدم، ووظيفة الأوعية الدموية، ومستويات الدهون في الدم.
واعتمد الفريق البحثي منهجية تحليل تلوي دقيقة، شملت مراجعة شاملة لأهم قواعد البيانات العلمية العالمية، من بينها PubMed وScopus وWeb of Science وGoogle Scholar، وذلك للبحث عن الدراسات عالية الجودة المنشورة خلال الفترة ما بين كانون الثاني 2019 وأيلول 2024.
وتم من خلال هذه المنهجية جمع بيانات من تجارب سريرية عشوائية ومراجعات منهجية وتحليلات تلوية، مما أتاح الوصول إلى استنتاجات علمية قوية تتجاوز في دقتها نتائج أي دراسة منفردة.
وشملت الدراسة فئات متنوعة من البالغين، بدءا من الأفراد الأصحاء، وصولا إلى المصابين بحالات صحية، مثل ارتفاع ضغط الدم والسمنة واضطرابات القلب والأوعية الدموية الأيضية، وهو ما يعزز من قابلية تطبيق النتائج على نطاق واسع.
وأظهرت نتائج التحليل التلوي بشكل واضح أن التدريب المتقطع عالي الكثافة، لا يقتصر على تحسين صحة القلب والأوعية الدموية، بل يتفوق في كثير من الحالات على التدريب التقليدي متوسط الشدة.
ومن أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة، التحسن الملحوظ في الحد الأقصى لاستهلاك الأكسجين (VO2 max)، والذي يعد من أهم المؤشرات المرتبطة بكفاءة القلب والجهاز التنفسي، كما يعتبر منبئا قويا بصحة القلب ومعدلات الوفيات مستقبلا.
وبينت النتائج أن هذا النوع من التدريب، أدى إلى زيادة متوسطة تتراوح بين 3 إلى 4 مل/كغ/دقيقة في هذا المؤشر، وهو تحسن يعد ذا أهمية سريرية كبيرة.
كما أظهرت الدراسة أن للتدريب المتقطع عالي الكثافة تأثيرا إيجابيا مباشرا على ضغط الدم، حيث ثبتت فعاليته في خفض كل من ضغط الدم الانقباضي والانبساطي، خاصة لدى الأفراد المصابين بارتفاع ضغط الدم، وهو ما يعزز دوره كخيار غير دوائي مهم في الوقاية والسيطرة على أمراض القلب.
وفي هذا السياق، أكد الباحث الرئيس أستاذ العلاج الدوائي الدكتور ضرار بلعاوي "للرأي"، أن نتائج الدراسة تقدم أدلة قوية على أن التدريب المتقطع عالي الكثافة، يعد تدخلا غير دوائي فعالا للتحكم في ضغط الدم، ويوفر وسيلة عملية وسهلة لتعزيز صحة القلب والأوعية الدموية.
ولم تقتصر فوائد هذا النمط من التدريب على ذلك، فقد أشار بلعاوي إلى أن التحليل أظهر أيضا تحسنا في وظيفة بطانة الأوعية الدموية، إلى جانب تقليل مؤشرات تصلب الشرايين، وهما عاملان أساسيان في الحفاظ على صحة الأوعية الدموية والحد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب.
كما تشير هذه النتائج إلى إسهام هذا النوع من التمارين في تقليل "العمر الوعائي"، وتحسين الصحة القلبية على المدى الطويل.
وبين أن الدراسة سلطت الضوء على البروتوكولات المثلى لتطبيق هذا النوع من التدريب، حيث تبين أن تحقيق أفضل النتائج يتطلب أداء فترات تمرين تمتد لدقيقتين أو أكثر، بمعدل 3 إلى 5 مرات أسبوعيا، ولمدة لا تقل عن 8 أسابيع.
وأكدت النتائج وفق بلعاوي أن التدريب المتقطع عالي الكثافة يعد خيارا امنا، ويتمتع بمعدلات التزام مرتفعة، خاصة عند تطبيقه في بيئات خاضعة للإشراف، مما يجعله مناسبا لفئات واسعة من الأفراد، بما في ذلك كبار السن والمرضى الذين يعانون من حالات صحية مزمنة.
وأوضح أن أهمية هذا النمط من التدريب تكمن في كفاءته العالية، إذ يتيح تحقيق فوائد صحية كبيرة خلال وقت قصير، وهو ما يجعله خيارا مناسبا للأشخاص الذين يواجهون صعوبة في تخصيص وقت طويل لممارسة الرياضة، مثل العاملين والاباء.
وتحمل هذه النتائج كما ذكر انعكاسات مهمة على واقع الممارسة الصحية في الأردن، إذ تتيح لمزودي الرعاية الصحية التوصية بهذا النوع من التمارين كاستراتيجية فعالة قائمة على الأدلة للوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية والسيطرة عليها، مع إمكانية تكييفها وفق الحالة الصحية ومستوى اللياقة لكل فرد.
واعتبر بلعاوي أن هذه الدراسة تمنح رسالة واضحة لعامة الناس، مفادها أن تحسين صحة القلب لا يتطلب ساعات طويلة من التمارين، بل يمكن تحقيق نتائج ملموسة من خلال جلسات قصيرة مكثفة ومدروسة، مما قد يسهم في تعزيز تبني أنماط حياة أكثر نشاطا وصحة في المجتمع.