"اختلفت الطريقة التي نفكر بها، واختلفت الطريقة التي نصمم الألعاب بها، وحتى الطريقة التي نستخدم فيها الأصوات أو الاهتزاز داخل ألعابنا".. هكذا يلخّص الدكتور نور خريس، مدير شركة ميس الورد لصناعة الألعاب، التحول الذي شهدته الشركة بعد انضمام موظفين من ذوي الإعاقة إلى فريق العمل، في تجربة أثبتت أن الدمج لا يقف عند المسؤولية الاجتماعية، وإنما "قرار تجاري" ناجح يغير طريقة التفكير بالتكنولوجيا والإنتاج.
ويقول خريس إن الشركة، التي تعمل في مجال تطوير الألعاب الإلكترونية، اتخذت قبل ثلاث أو أربع سنوات قرارا بضم أشخاص من ذوي الإعاقة إلى كوادرها، من بينهم موظفون لديهم إعاقات بصرية.
ويضيف أن البداية كانت بدافع المسؤولية المجتمعية، لكن التجربة سرعان ما تحولت إلى قرار استراتيجي انعكس إيجابا على أداء الشركة وإيراداتها.
ويوضح أن انضمام أحد الموظفين، ويدعى محمد، دفع فريق التطوير إلى إعادة التفكير في أساليب تصميم الألعاب، فالتعامل مع مستخدمين ذوي إعاقات بصرية، مثلا، استدعى تطوير طرق جديدة في استخدام الصوت والاهتزاز داخل الألعاب، خصوصا مع التطور الذي تشهده الهواتف الذكية ووجود تقنيات "الرّجاج" التي يمكن استخدامها للتواصل والإرشاد داخل اللعبة.
ويضيف أن هذا التغيير في التفكير فتح الباب أمام استخدام تقنيات أكثر تطورا؛ ما منح منتجات الشركة قدرة أكبر على المنافسة في الأسواق المحلية والعالمية.
وفي نموذج آخر من بيئات العمل الدامجة، يبرز مطعم "شمس البلد" الذي تبنى بدوره سياسة دمج الأشخاص ذوي الإعاقة ضمن فريقه. ويقول مدير المطعم فريد خلف إن الفكرة انطلقت من مبدأ "تقبل الاختلاف"، مشيرا إلى أن المجتمع بطبيعته متنوع، وأن الأشخاص ذوي الإعاقة جزء أساسي من هذا التنوع.
ويؤكد فريد أن التجربة كشفت عن مهارات وقدرات لدى الموظفين من ذوي الإعاقة لم يكن يتوقعها في البداية. ويستذكر قصة فارس الذي تقدم للعمل بعد أن شاهدت والدته إعلانا عن الوظائف عبر إنستغرام، حيث تم تعيينه بناء على "مؤهلاته وخبرته المهنية".
ويتحدث عن تجربة عنود، وهي شابة من ذوي متلازمة داون، التحقت بالعمل قبل نحو ست أو سبع سنوات بدعم من مؤسسة سنا. وقد رافقها مدرب عمل لمدة ثلاثة أشهر ساعدها على تعلم المهام اليومية، وفي الوقت ذاته ساعد فريق المطعم على فهم أفضل لآليات التعامل والتواصل مع عنود؛ ما ساهم في اندماجها الكامل داخل بيئة العمل.
وتضم التجربة أيضا متدربين من مدرسة مسار، من بينهم "بسومة" التي التحقت بفريق التحضير في المطعم ضمن برنامج تدريب ميداني صيفي، حيث تعمل عدة ساعات يوميا وتشارك في تجهيز المواد والطلبات، في إطار تجربة قائمة على الإنتاجية وتطوير المهارات وليس على مبدأ العمل الخيري.
ويوجه فريد رسالة إلى جميع المطاعم والشركات والقطاعات، بقوله: "إن الاختلاف موجود في المجتمع وحقهم مفروض علينا جميعا". مبينا أنه قد يكون تحديا بسيطا في البداية، لكن "يا ما أحلى هالتحدي" عندما تجد الكفاءة أو المهارات التي تحاول استثمارها لدى الموظف، وكيف تجني ثمارها في شركتك أو موقع عملك.
وتؤكد هذه النماذج، وفق القائمين عليها، الأثر المتبادل بين النساء ذوات الإعاقة وأصحاب العمل يقوم على "الكفاءة وتكافؤ الفرص"؛ حيث يحقق التمكين الاقتصادي للنساء حقهن في العمل، ويعزز في الوقت ذاته أداء المؤسسات واستدامتها من خلال بيئات عمل دامجة.
وعُرضت هذه التجارب ضمن فيلم توعوي نفذه المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، من خلال لجنة المرأة ذات الإعاقة، بهدف تسليط الضوء على نماذج ناجحة للتمكين الاقتصادي وتعزيز مشاركة النساء ذوات الإعاقة في سوق العمل