الصدقة الجارية.. عظيمة الأجر وتترك عظيمَ الأثر (2/2)
فتأتي الصدقات الأكثر نفعا لعبادالله الأكثر أجرا عند الله، وقد قال بعض أهل العلم: (تخيروا لصدقاتكم). فمن أدى الزكاة الفريضة لغنيّ أو لولده أو من يعول، أو لغير مسلم – من غير المؤلفة قلوبهم- فهو لم يؤدّ زكاته، لأنّ زكاة الفريضة لها أصحابها، وإذا أراد بعدها إكرام غنيّ فباب الهدية واسع للمسلم ولغير المسلم، وإذا أراد إعطاء ولده فباب النفقة واسع، وإذا أراد الصدقة على غير المسلم فصلة الجار وباب الصدقات واسع.
وعودا على ذي بدء.. نجد في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: ( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: « إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ »). رواه مسلم. نجدُ مزيّةً يجب أن نحرص عليها كلّ بحسب قدرته ومقدراته.
فهذا الذي رزقه الله مالا، أين هو من تفقد المساكين وكفالة اليتيم، وبناء أو المشاركة في بناء المدارس والمستشفيات، أو الإنفاق على طلبة العلم، كلّ ذلك إذا توسعت التجارة أو ضاقت يوما، فافزع في الحالين إلى الصدقات، ولا ينتظر أحدنا متقلبات الحياة، التي قد تعصف بالمال أحيانا، فلا يبق عند من فقدَ المال سوى الندامة على أنه لم يكن من أهل الصدقات الجارية.
وهذا الذي رزقه الله العلم، فهو يعلّم الناسَ الخير، فإن كان يتقاضى راتبا، فليؤدّ أمانته في التعليم، على قدر زائد لما يبذله الآخرون، وهو الذي نراه في جلّ معلمينا ومعلماتنا، جعل اللهُ ذلك صدقة جارية لهم إلى يوم القيامة.
وأما من رزقه الله أبناء وبناتٍ، فأصلح التربية لهم ولهنّ وكانت ذرّيته صالحة فله أجرها، وهنا نكتة لطيفة لا بدّ أن ننبه عليها، وهي: إهمال تربية الأبناء يؤول على الأبوين معًا بالإثم، فكما أنّ هناك صدقة جارية، هناك إثم إذا أهملنا تربيتهم، وانطلقوا في الحياة أذيّة للناس.
وأخيرا.. تعدّ الصدقة الجارية من الفرص الثمينة التي ترفع العبدَ درجات عند الله تعالى، وتزيده من الحسنات حسنات، وتكون سببا لتجاوز المحن والأزمات، فضلا عن كونها سببا لمغفرة الزلات، وسببا لمحبة الله لعبده: (إنّ اللهَ يُحبُّ المحسنين). كما ننبه على أنّ الصدقة الجارية العينية هي: الوقف بأنواعه، وجميل أن يوقف المرء شيئا من ماله، خصوصا أننا في زمن رعاية الوقف فيه لها جوانب جمالية متعددة من حيث النوع والأسلوب وتنمية مال الوقف.
مفتاح الخير في تخفيف المعاناة على الناس
من الأمور التي تشعرنا بالسعادة، تلك المواقف التي نراها أو نسمع عنها، مما يقوم به ذوو الهمم العالية، الذين يحملون في قلوبهم همّ الإنسانية، فما أجملها ونحن نرى أهلَ الخير يحققون أماني من انقطعت بهم السبل، فيتحقق بذلك فتح أبواب الخير والسعادة للجميع، وليس لمن سدّ اللهُ عنه عِوَزه.
كما يمكننا القول ونحن في شهر العبادة: إن من صفات شهر رمضان : (المبارك، المغفرة، والعتق من النار). وأما أشهر أسمائه: (القرآن، الصبر، والخير).
فشهر رمضان شهر الخير، ما بين خير ينزل من السماء، وما بين خير يتعامل به الناس فيما بينهم، فالعطف واللطافة والكلام الطيب، والدعوات لتناول الإفطار سوية، وتقديم الصدقات للآخرين، كل ذلك وغيره من الخير العميم.
وإذا أردنا دراسة تخفيف المعاناة لمن وقع في أمر قدّر له، فإننا نتكلم عن إنقاذ أرواح تعلقت بذلك المقدور، كما أنّ الله تعالى يحبّ منا أن نخفف العناء عن الآخرين، فالله يباهي الملائكة بعباد الله المحسنين، والله يحبّ المحسنين.
ومن أجمل وأكمل صور المعاناة، ما تقوم به المبادرات الإنسانية بتفقد مناطق الجيوب في شتى بقاع الوطن، أو أن نتفقد المناطق المنكوبة بزلزال أو نحوه.
فمدّ يد الإنسان لأخيه الإنسان بالخير تفتح أبواب الخير وتغلق أبواب الشرّ.
بستان الواعظين (1/4)
فقه الإحسان
أحسن يا رعاكَ الله.. أحسني يا رعاكِ الله..
فلا الإحسان ضائع، ولا صنائع المعروف تفنى مآثرها.. أحسن وربك المحسن الكريم لا ينسى عباده، فيوفق المحسن لمقام الإحسان.
وكم من آية في كتاب الله، تجدد الأنفاس وتبعث الهمة في الأرواح والأبدان، كآيات فيها بيان ما أعد الله للمتقين، وأن الله يحب المحسنين، وأنّ الله غفور رحيم، فمن أراد أن يحبه الله فليكن من المحسنين.
وليس الإحسان بالدينار والدرهم فقط، بل قد يتعدى ذلك إلى معرفة ما يحتاجه الناس منك، فقد يكون تواضعك، وتبسمك، وسؤالك عنهم، والتلطف بهم فكل ذلك من الإحسان.
ومن مظاهر الإحسان إلى الناس، عدم العبث في أوقات الازدحام وأخذ أدوار الآخرين، بل الإحسان الإيثار والتجمل بالذي يرفع شأن الجميع، وأن تبادر بإحسانك.. فأخلاقنا السامية هي التي تسوق المجتمع إلى بوتقة إحسان، وحديقة تعاون ولطف وإخاء
آداب قراءة وإقراء القرآن الكريم (1/2)
إنّ أدق تفصيلات حياتنا لها في السنة النبوية جزءًا أو جانبا من التوجيه والتنويه، ومن ذلك ما سنتناوله على عجالة: أخلاق قارئ القرآن الكريم.
وحيث إننا في شهر القرآن، وفي بلد يحظى بالاهتمام الراقي والرائع بالقرآن الكريم، ما بين مسابقات دولية كالمسابقة الهاشمية، وأخرى محلية، ومستويات وزارة الأوقاف على امتداد العام، حتى المسابقات القرآنية في مدارسنا وجامعاتنا.
لذا.. فقد اقتبست نصًّا من كتاب يراعيه أهل العلم اهتماما بالغا، حيث بوّب الآجريّ، فقال: (بَابُ أَخْلَاقِ الْمُقْرِئِ إِذَا جَلَسَ يُقْرِئُ وَيُلَقِّنُ لِلَّهِ عز وجل مَاذَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَخَلَّقَ بِهِ).
ثمّ شرع بتوضيح تلك الأخلاق الواجب تخلقها من قِبل مدرسي القرآن الأكارم، فقال:
(يَنْبَغِي لِمَنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ كِتَابَهُ ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ فِي الْمَسْجِدِ ، يُقْرِئُ الْقُرْآنَ لِلَّهِ ، يَغْتَنِمُ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مِنَ الْأَخْلَاقِ الشَّرِيفَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ وَصِدْقِهِ ، وَهُوَ أَنْ يَتَوَاضَعَ فِي نَفْسِهِ إِذَا جَلَسَ فِي مَجْلِسِهِ ، وَلَا يَتَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ ، وَأُحِبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ. وَيَتَوَاضَعَ لِمَنْ يُلَقِّنُهُ الْقُرْآنَ ، وَيُقْبِلَ عَلَيْهِ إِقْبَالًا جَمِيلًا وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ يُلَقِّنُهُ مَا يَصْلُحُ لِمِثْلِهِ، إِذَا كَانَ يَتَلَقَّنُ عَلَيْهِ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالْحَدَثُ ، وَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَفِّيَ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، وَيَعْتَقِدَ الْإِنْصَافَ إِنْ كَانَ يُرِيدُ اللَّهَ بِتَلْقِينِهِ الْقُرْآنَ: فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَرِّبَ الْغَنِيَّ وَيُبْعِدَ الْفَقِيرَ ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْفُقَ بِالْغَنِيِّ وَيَحْذِقَ بِالْفَقِيرِ ، فَإِنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ جَارَ فِي فِعْلِهِ ، فَحُكْمُهُ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْذَرَ عَلَى نَفْسِهِ التَّوَاضُعَ لِلْغَنِيِّ وَالتَّكَبُّرَ عَلَى الْفَقِيرِ ، بَلْ يَكُونُ مُتَوَاضِعًا لِلْفَقِيرِ ، مُقَرِّبًا لِمَجْلِسِهِ مُتَعَطِّفًا عَلَيْهِ ، يَتَحَبَّبُ إِلَى اللَّهِ بِذَلِكَ)
(وَهَذَا أَصْلٌ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ جَمِيعُ مَنْ جَلَسَ يُعَلِّمُ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ ، وَيَتَأَدَّبُ بِهِ ، وَيُلْزِمُ نَفْسَهُ ، ذَلِكَ إِنْ كَانَ يُرِيدُ اللَّهَ بِذَلِكَ وَأَنَا أَذْكُرُ مَا فِيهِ لِيَكُونَ النَّاظِرُ فِي كِتَابِنَا هَذَا فَقِيهًا بِمَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ عز وجل ، يُقْرِئُ لِلَّهِ ، وَيَقْضِي ثَوَابَهُ مِنَ اللَّهِ لَا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ).
يتبع.
ما بين الأقواس من كتاب: أخلاق أهل القرآن، لمؤلفه: أبو بكر محمد بن الحسين الآجُرِّيُّ البغدادي (ت 360هـ).
ابتهال
اللْهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك، وأصوات دعاتك، وحضور صلاتك وشهود ملائكتك، صلّ على محمد في الأولين وصلّ عليه في الآخِرين، وآته الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته.
اللهم.. رضينا بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا.
اللهمّ يسر أمرَنا، وسهّل على الصراط عبورَنا، واحفظ علينا ديننا الذي فيه عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا. واحفظ بلادنا بأمن وأمان وسائر بلاد المسلمين.. اللهم إنا نستودعك المسجد الأقصى فيسّر وأعن على فتح أبوابه، وتحرير محرابه، وأعده لنا يا رب العباد.
اللهم قنا عذابك يوم تبعث عبادك، اللهم إنا نسألك الراحة قبل بعد الموت، والعفو عند الحساب، ونعوذ بك من غضبك وعقابك، قنا شرَّ عبادك وشر الشياطين وشركهم، وأكرمنا بعفوك يا كريم.. آمين.
إضاءات من السنّة النبوية
حديث: (...، وقَالَ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ «إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ عز وجل الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ »)
في الحِلم والأناة خصائل من الخير تكاد لا تحصى، فأين نحن من مجانبة الهوى والعجلة، والنأي عن مواطن الغضب، والتريث عند اتخاذ قراراتنا، بل أين نحن من مسك ألسنتنا عن كلّ ما يمكن أن نعتذر عنه في الدنيا والآخرة.
وأورد ابن حبان، فقال: (في باب: الحث على مجانبة الغضب وكراهية العجلة). وأورد أحاديث وآثارا في الحثّ على الحلم.
وفي الحديث الشريف، يمتدح النبيّ صلى الله عليه وسلم وافدا عليه وهو رئيس في قومه من عبد القيس، وبشره أن تلك الخصلتين يحبهما الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وللحكماء تحذيرات من العجلة التي هي عكس الأناة، وأنّ إطلاق اللسان يتكلم ما شاء من غير نظر للعواقب فيه مغبات يجب الحذر والتحذير منها، فيقول أحد الحكماء: (صيانة القول خير من سوء وضعه، وإن كلمة واحدة من الصواب تصيب موضعها خير من مئة كلمة تقولها في غير فرصها ومواضعها. مع أن كلام العجلة والبدار موكل به الزلل، وسوء التقدير، وإن ظن صاحبه أنه قد أتقن وأحكم). فلنحاول التمرّس على الصمت قدر استطاعتنا، وأن نفكر مليًّا بقليل الكلام الذي ينبغي أن نتكلمه، مع مقايسة الأمور، فأحيانا يكون الكلام من ذهب والسكوت غير مرغوب ولا مطلوب، يوم نتكلم الكلمة الطيبة التي نبني بها ولا نهدم.