تدور معركة لا تُرى بالعين المجردة، هجمات سيبرانية تُطلق من خلف الشاشات، تستهدف أنظمة حساسة وبنى تحتية حيوية في الدول، في محاولة لإرباكها أو ضرب أمنها الاقتصادي والغذائي.
هذه ليست سيناريوهات خيال تقني، بل واقع يتصاعد يوما بعد يوم في عالم باتت فيه الحروب تخاض أيضا عبر الشيفرات والبرمجيات الخبيثة.
الأردن لم يكن بعيدا عن هذه المواجهة الرقمية، فخلال السنوات الأخيرة رصدت الجهات المختصة محاولات اختراق سيبرانية استهدفت مؤسسات وأنظمة حيوية، في إطار هجمات منظمة تسعى للوصول إلى مفاصل حساسة في المؤسسات.
غير أن منظومة الأمن السيبراني الوطنية تعمل في حالة استنفار دائم، حيث تراقب فرق الرصد والاستجابة الأنظمة الرقمية على مدار الساعة لتعقب أي نشاط إلكتروني مشبوه والتعامل معه قبل أن يتحول إلى تهديد فعلي.
وفي حادثة لافتة تعكس طبيعة هذه التهديدات، تمكنت الفرق الفنية المختصة في المركز الوطني للأمن السيبراني من إحباط محاولة اختراق سيبراني استهدفت نظام إدارة صوامع القمح في الشركة العامة الأردنية للصوامع والتموين.
وبحسب المعلومات، فإن محاولة الاختراق التي تم تتبع مصدرها قادمة من إيران، هدفت إلى التلاعب بدرجات حرارة حفظ مخزون القمح داخل الصوامع، في محاولة لإحداث ضرر في المخزون الاستراتيجي من القمح في المملكة.
إلا أن الفرق الفنية تمكنت من رصد النشاط السيبراني المشبوه في وقت مبكر، حيث جرى التعامل مع الهجوم بشكل فوري وإيقافه قبل أن يحقق أي تأثير على نظام إدارة الصوامع أو على سلامة المخزون الاستراتيجي للقمح.
وتعكس هذه الحادثة أهمية منظومة الحماية الرقمية التي طورها الأردن خلال السنوات الماضية، إذ تعمل منظومة الرصد والمراقبة الوطنية على مدار الساعة لرصد أي نشاطات سيبرانية مشبوهة وتحليلها والتعامل معها وفق أفضل الممارسات والمعايير الدولية في مجال الأمن السيبراني.
ويرى خبراء أن الأمن السيبراني أصبح جزءا أساسيا من مفهوم الأمن الوطني الشامل، إذ يمكن للهجمات الرقمية أن تستهدف قطاعات حساسة مثل الطاقة والمياه والاتصالات أو حتى الأمن الغذائي للدول.
ويؤكد الخبير في الأمن الرقمي المهندس سامر شاكر في حديثه إلى الرأي: "الأردن نجح خلال السنوات الماضية في بناء منظومة دفاع سيبراني متقدمة قادرة على كشف الهجمات الإلكترونية والتعامل معها بسرعة وكفاءة"، مشيراً إلى أن "التحدي الأكبر يتمثل في التطور المستمر لأدوات الهجوم السيبراني التي تستخدمها مجموعات قرصنة منظمة".
من جهتها ترى الباحثة في الأمن الرقمي المهندسة ليان أحمد أن "المرحلة المقبلة تتطلب توسيع الاستثمار في التدريب وبناء الكفاءات الوطنية، وأضافت في تصريحها إلى الرأي: إلى جانب تعزيز التعاون الدولي في تبادل المعلومات حول التهديدات السيبرانية".
وفي إطار تعزيز قدراته الدفاعية الرقمية، عملت المملكة على بناء منظومة متكاملة للأمن السيبراني تقودها جهات متخصصة أبرزها المركز الوطني للأمن السيبراني وفريق الاستجابة الوطني للحوادث السيبرانية، الذي يتولى التنسيق بين المؤسسات الحكومية والقطاعات الحيوية لمواجهة أي هجمات إلكترونية محتملة.
وتشمل مهام هذه المنظومة مراقبة التهديدات الرقمية وتحليل الهجمات الإلكترونية وتطوير آليات الاستجابة السريعة للحوادث السيبرانية، إضافة إلى رفع مستوى الوعي والتدريب لدى المؤسسات الوطنية للتعامل مع المخاطر الرقمية المتزايدة.
ولا تقتصر جهود الحماية على المؤسسات الحكومية فقط، بل تمتد إلى قطاعات حيوية مثل القطاع المالي والمصرفي والطاقة والاتصالات والغذاء، حيث تعمل الجهات المختصة بالتنسيق مع المؤسسات المعنية لضمان حماية الأنظمة الرقمية والبنية التحتية الحيوية من أي اختراقات محتملة.
ولا شك أن الأردن يخوض معركة صامتة في الفضاء الرقمي، هدفها حماية مؤسسات الدولة وبيانات المواطنين وضمان أمن البنية التحتية الاستراتيجية في عصر أصبحت فيه الحروب لا تُخاض فقط بالسلاح، بل أيضاً عبر الشبكات الرقمية.