كشفت تقارير صادرة عن منظمات حقوقية إسرائيلية ودولية، بينها هيومن رايتس ووتش وبتسيلم والسلام الآن، عن ما وصفته بتعاون منهجي بين جنود في الجيش الإسرائيلي ومستوطنين لتنفيذ عمليات تهجير قسري للفلسطينيين في منطقة الاغوار الفلسطينية شمال الضفة الغربية، في إطار سياسة تهدف إلى تغيير الواقع الديموغرافي في مناطق «ج».
وتشير المعطيات والشهادات الميدانية إلى أن كتيبة «نيتسح يهودا» التابعة للجيش الإسرائيلي لعبت دوراً مركزياً خلال الأيام الماضية في عملية أدت إلى إفراغ قريتي العقبى وتجمع خربة يرزة من سكانهما، بعد تعرض الأهالي لسلسلة من التهديدات المباشرة بالسلاح وإعلان المنطقة «عسكرية مغلقة».
وكانت حياة الرعاة والمزارعين في تلك التجمعات تسير بشكل شبه اعتيادي حتى قبل نحو عشرة أيام، حين تم استبدال القوة العسكرية المعتادة في الحاجز القريب من بلدة تياسير بعناصر من كتيبة «نيتسح يهودا».
ومنذ ذلك الحين، تحولت الدوريات العسكرية إلى حملات تفتيش ومضايقة متكررة، رافقها حضور دائم لمستوطنين من البؤرة الاستيطانية المجاورة «تسفي هعوفريم».
وتُعد كتيبة «نيتسح يهودا»، التي كانت تعرف سابقاً باسم «ناحال حريديم»، من أكثر الوحدات العسكرية الإسرائيلية إثارة للجدل.
فقد أُنشئت في أواخر التسعينيات لتجنيد المتدينين المتشددين، لكنها تحولت مع مرور الوقت إلى وحدة يغلب على أفرادها الانتماء إلى التيار الاستيطاني الديني، ما جعلها موضع انتقادات متكررة من منظمات حقوق الإنسان.
ووثقت بتسيلم في تقارير سابقة عدداً من الحوادث التي تورط فيها جنود من هذه الكتيبة، بينها اعتداءات على مدنيين فلسطينيين ونشطاء سلام وحالات عنف في الحواجز العسكرية.
كما أشارت هيومن رايتس ووتش إلى أن نشر وحدات ذات خلفية أيديولوجية استيطانية في مناطق حساسة من الضفة الغربية يزيد احتمالات العنف ويعمّق الاحتكاك مع السكان الفلسطينيين.
وتنقل تقارير صحفية إسرائيلية، بينها ما نشرته صحيفة هآرتس، شهادات لسكان محليين تحدثوا عن تعاون مباشر بين الجنود والمستوطنين خلال عمليات الترهيب.
ويقول أحد أفراد عائلة مسعيد إن «هناك نوعين من الجنود: جنود يتصرفون بمسؤولية، وآخرون يتعاملون كأنهم مستوطنون يهددوننا بالقتل».
وتشير إفادات الأهالي إلى أن التهديدات بلغت ذروتها يوم السبت الماضي، عندما حاصر الجنود منازل سكان قرية العقبى وأبلغوهم بأن حياتهم ستكون في خطر إذا لم يغادروا المكان.
وتحت وطأة هذه التهديدات بدأت العائلات بحزم أمتعتها، وبحلول يوم الاثنين كانت جميع العائلات التسع، التي يبلغ عدد أفرادها نحو خمسين شخصاً، قد غادرت القرية.
كما شهدت الأيام التي سبقت عملية التهجير سلسلة من الاعتداءات العنيفة. ففي إحدى الحوادث اقتحم مستوطنون من البؤرة القريبة منازل عائلة مسعيد، واعتدوا على السكان بالضرب باستخدام العصي ورش غاز الفلفل، بينما كان جنود من الجيش حاضرين في المكان.
وتفيد شكاوى قُدمت للشرطة بأن بعض الجنود شاركوا في الاقتحام أو سمحوا للمستوطنين بتنفيذ الاعتداءات.
وبحسب إفادات نقلتها الصحيفة، قام مهاجمون بتحطيم خزان مياه وثقبه بسكين، كما أُجبر أحد المسنين على الركوع وتقبيل قدم أحد المستوطنين. وأظهرت تسجيلات مصورة حصلت عليها وسائل إعلام إسرائيلية مستوطنين يستخدمون مركبات رباعية الدفع من نوع «رينغر»، قيل إن الجيش وزعها على المستوطنين، خلال الهجمات على المزارعين.
بدوره وثق الهلال الأحمر الفلسطيني إصابة 12 فلسطينياً خلال هذه الأحداث، بينهم ستة تعرضوا للاختناق بالغاز المسيل للدموع وآخرون أصيبوا بجروح مختلفة نقلوا على إثرها إلى المستشفى.
وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن البؤرة الاستيطانية «تسفي هعوفريم»، التي انطلق منها معظم المهاجمين، أُقيمت عام 2025 على بعد نحو 250 متراً من حاجز تياسير العسكري، وتُعد جزءاً من خطة استيطانية أوسع تهدف إلى تعزيز التواصل الجغرافي بين مستوطنات الأغوار الفلسطينية ومناطق أخرى في الضفة الغربية.
وقبل أسابيع قليلة فقط، سجلت هذه البؤرة حادثة مشابهة تمثلت في تهجير تجمعات بدوية ومزارعين من مناطق قريبة، بعد سلسلة طويلة من المضايقات شملت إحراق منشآت وهدم مساكن، وفق تقارير إسرائيلية.
في المقابل، جاء رد السلطات الإسرائيلية محدوداً.
فقد قال متحدث باسم الجيش إنه «لا علم له بالادعاءات»، رغم وجود شكاوى رسمية موثقة.
ويتوافق هذا الموقف، بحسب تقارير حقوقية، مع نمط متكرر من غياب المساءلة في قضايا اعتداءات المستوطنين.
وكانت منظمة العفو الدولية قد وصفت في تقارير سابقة السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية بأنها تشكل نظاماً من الفصل العنصري، حيث يتمتع المستوطنون بحماية الجيش والقانون، بينما يخضع الفلسطينيون لنظام القوانين العسكرية.
وتقول المحامية نيتا عمار شيف، التي تمثل العائلات المهجرة، إنها تواصلت مع الشرطة والنيابة العسكرية الإسرائيلية بشأن الاعتداءات، إلا أنه لم يتم حتى الآن اعتقال أي مشتبه بهم أو فتح تحقيق جدي في الأحداث.
أما وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، المعروفة باسم «كوغات»، فاكتفت ببيان مقتضب قالت فيه إنها «تدرس الموضوع»، في حين أكد الجيش لموقع إسرائيلي أن المنطقة تُعد «منطقة عمليات نشطة» وأن التحركات فيها تتم وفق تقديرات أمنية.
اليوم لم يبق في المنطقة سوى عائلة مسعيد تقريباً بعد مغادرة معظم السكان.
ويقول أحد أفراد العائلة إنهم تعرضوا لاعتداء جديد، حيث أيقظه جنود على فوهة بندقية موجهة نحو رأسه قبل أن يتم اقتياده والاعتداء عليه بالضرب وتهديده بالقتل في حال حدوث أي «مشكلات».
في غضون ذلك، نقلت صحيفة جيروزاليم بوست عن مصادر دبلوماسية قولها إن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي «يراقبان الوضع عن كثب»، إلا أن ردود الفعل الدولية حتى الآن لم تتجاوز بيانات الإدانة التقليدية دون اتخاذ خطوات عملية.
ويرى باحثون في شؤون الاستيطان أن ما يجري في الغور ليس حادثة منفصلة، بل جزء من سياسة أوسع تستهدف إفراغ التجمعات الفلسطينية الصغيرة في مناطق «ج» وفرض واقع ديموغرافي جديد على الأرض قبل أي تسوية سياسية محتملة.
وبينما غادر معظم سكان العقبى وخربة يرزة بيوتهم تحت الضغط والتهديد، بقيت آثار الحياة خلفهم شاهدة على ما جرى: خزانات مياه مثقوبة، ألواح طاقة شمسية محطمة، وبيوت مهجورة تنتظر عودة قد لا تأتي قريباً.