كشفت مصادر إسرائيلية وأمريكية عن تفاصيل غير مسبوقة حول طبيعة الحرب التي تخوضها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران، في إطار استراتيجية عسكرية يصفها بعض المحللين الإسرائيليين بأنها تطبيق موسّع لما يسمى بـ"نموذج غزة».
وتثير هذه الاستراتيجية تساؤلات واسعة حول قدرة هذا التحالف على تحقيق أهدافه العسكرية والسياسية، في مقابل بروز استراتيجية إيرانية مضادة تعتمد على استهداف الاقتصاد العالمي وأسواق النفط كورقة ضغط رئيسية.
وكشف المعلق العسكري البارز في إسرائيل عاموس هرئيل، في تحليل نشرته صحيفة «هآرتس»، أن المؤسستين العسكريتين الأمريكية والإسرائيلية تديران العمليات العسكرية ضد إيران وفق تصنيف استخباراتي دقيق للأهداف.
وبحسب التقرير، جرى تقسيم الأهداف داخل إيران إلى ثلاث فئات رئيسية هي: الأهداف المهمة، والأهداف الحيوية، والأهداف الضرورية، في إطار خطة عسكرية تهدف إلى استكمال استهداف الفئة الأخيرة قبل إعلان انتهاء العمليات العسكرية الكبرى.
ولا يقتصر نطاق الاستهداف على المنشآت النووية أو الصاروخية، بل يمتد إلى بنية أوسع داخل النظام الإيراني، تشمل سلاح الجو والبحرية والصناعات العسكرية، إضافة إلى مراكز الحرس الثوري وقوات الباسيج وقيادات الجيش وأجهزة الاستخبارات والعلماء العاملين في المجالات النووية والعسكرية، بل وحتى بعض المراكز العلمية والأكاديمية المرتبطة بالمؤسسات الرسمية. ويرى هرئيل أن هذا النهج يعكس فهماً استخباراتياً عميقاً لبنية النظام الإيراني وشبكة علاقاته داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.
وتشير تقديرات عسكرية إسرائيلية إلى أن الضربات الجوية التي نفذها التحالف ألحقت أضراراً كبيرة بالقدرات العسكرية الإيرانية.
ووفق هذه التقديرات، تم تدمير أو تعطيل أكثر من نصف منصات إطلاق الصواريخ البالستية القادرة على ضرب إسرائيل، كما جرى استنزاف نحو ثلثي الترسانة الصاروخية الإيرانية، كذلك دمرت الغارات الجوية الغالبية الساحقة من بطاريات الدفاع الجوي الإيرانية، إضافة إلى معظم الطائرات القتالية التابعة لسلاح الجو الإيراني وطائرات النقل التي يستخدمها الحرس الثوري.
أما على صعيد الخسائر البشرية، فتشير التقديرات الأمريكية والإسرائيلية إلى مقتل أكثر من ثلاثة آلاف عنصر أمني إيراني وإصابة نحو سبعة آلاف آخرين، مع ترجيحات بأن يكون العدد الحقيقي أعلى من ذلك بكثير.
وتفيد تقارير إسرائيلية بأن العمليات العسكرية دخلت في الأيام الأخيرة مرحلة جديدة، حيث تحول مركز ثقل الهجمات إلى استهداف مؤسسات النظام نفسه، بما في ذلك مراكز الأمن الداخلي وقواعد الحرس الثوري والباسيج وقيادات الأجهزة الأمنية والعسكرية العليا.
وتشير هذه التقارير إلى أن هيئة الأركان العامة للجيش الإيراني ووزارة المخابرات تكبدتا أضراراً كبيرة خلال هذه المرحلة من الحرب.
وفي تحليل آخر نشرته صحيفة «هآرتس»، يرى الكاتب تسفي برئيل، أن الاستراتيجية الحالية تتجاوز مجرد ضرب أهداف عسكرية، إذ تسعى إلى إحداث تأثير أعمق في بنية النظام الإيراني وإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في المنطقة.
ونقل برئيل عن مسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية قولهم إن العمليات العسكرية تعتمد على نسخة موسعة من مفهوم «الصدمة والترويع»، عبر استهداف البنية التحتية للنظام الإيراني بصورة شاملة.
كما نقلت شبكة «سي إن إن» عن الجنرال الأمريكي المتقاعد جيمس مكارفيل قوله إن تصنيف الأهداف يعكس فهماً عميقاً لبنية النظام الإيراني، موضحاً أن الهدف لا يقتصر على تدمير القدرات العسكرية، بل يمتد إلى تفكيك شبكات الدعم السياسي والاجتماعي التي يعتمد عليها النظام.
وفي السياق نفسه، وصفت صحيفة «الجارديان» البريطانية ما يجري بأنه تطبيق لنظرية «الضربة متعددة الطبقات»، التي تقوم على تدمير القدرات العسكرية التقليدية أولاً، ثم استهداف البنية التحتية الاقتصادية، قبل الانتقال إلى ضرب مراكز القيادة السياسية والفكرية.
لكن هذا الطرح يواجه تشكيكاً من عدد من الباحثين الدوليين. فقد نقلت صحيفة «لوموند» الفرنسية عن الباحث في الشؤون الإيرانية بجامعة السوربون برنارد هوركاد، قوله إن المقارنة بين إيران وغزة مضللة إلى حد كبير، لأن إيران دولة واسعة ذات عمق جغرافي وسياسي كبير ولها حدود مع عدد كبير من الدول، كما ترتبط بعلاقات مع قوى دولية مثل روسيا والصين.
ويرى هوركاد أن هذا النموذج قد يحقق نجاحات عسكرية قصيرة المدى، لكنه قد يواجه صعوبات كبيرة على المستوى الاستراتيجي.
كما أشار تقرير صادر عن مركز «تشاتام هاوس» البريطاني إلى أن إيران تمتلك مرونة مؤسسية وقدرة على امتصاص الصدمات أكبر بكثير من غزة، ما يجعل نتائج هذه الاستراتيجية غير مضمونة على المدى البعيد.
وفي المقابل، تشير تقارير اقتصادية إلى أن إيران بدأت استخدام ورقة الاقتصاد العالمي لمواجهة التفوق العسكري للتحالف، عبر تعطيل إنتاج ونقل النفط في منطقة الخليج، وهو ما أدى إلى زيادة المخاوف في الأسواق العالمية من ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الإمدادات.
ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مصادر في الإدارة الأمريكية أن الرئيس دونالد ترامب يواجه ضغوطاً متزايدة لإنهاء الحرب، بعد أن كان يتوقع تحقيق انتصار سريع يعزز موقعه السياسي قبل انتخابات التجديد النصفي.
كما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن محللين ماليين تحذيرات من أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يحولها إلى أزمة اقتصادية عالمية تؤثر سلباً على الاستثمارات والنمو.
وفي ظل هذه المعطيات، تتباين التقديرات بشأن كيفية انتهاء الحرب. فبعض المصادر الإسرائيلية تتحدث عن إمكانية مواصلة العمليات حتى تدمير ما تصفه بالأهداف الضرورية داخل النظام الإيراني.
في المقابل، تشير تحليلات أمريكية إلى أن الإدارة الأمريكية قد تختار إنهاء الحرب إذا تبين أنها بدأت تؤثر على الاقتصاد العالمي أو على المزاج السياسي داخل الولايات المتحدة.
أما إيران، فتبدو وفق بعض التقارير عازمة على رفع كلفة الحرب إلى أقصى حد ممكن عبر الضغط الاقتصادي وإبقاء التوتر في أسواق الطاقة، في محاولة لدفع المجتمع الدولي إلى الضغط من أجل وقف العمليات العسكرية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يرى عدد من مراكز الأبحاث الدولية أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو تحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة. ووفق تقرير صادر عن مركز «راند» الأمريكي، قد تستمر هذه الحرب لأشهر وربما لسنوات، حيث يحقق التحالف تقدماً عسكرياً تدريجياً، بينما تواصل إيران استخدام أوراقها الاقتصادية والإقليمية لموازنة هذا التفوق.
وتشير معظم التحليلات إلى أن الحرب الحالية تتجاوز كونها مواجهة عسكرية تقليدية، إذ تجمع بين الصراع العسكري المباشر والضغط الاقتصادي والتنافس الجيوسياسي. وبينما حقق التحالف الأمريكي الإسرائيلي نجاحات عسكرية تكتيكية واضحة، فإن تحقيق الهدف الأكبر المتمثل في إسقاط النظام الإيراني أو فرض استسلامه لا يزال محل شك كبير، في ظل قدرة إيران على الصمود واستمرارها في استخدام أدوات ضغط مؤثرة على الاقتصاد العالمي.