أكد الخبير البيئي الدكتور أيوب أبو دية أن الأردن يمتلك مقومات مهمة تمكّنه من التعامل مع أي اضطرابات محتملة في إمدادات الطاقة نتيجة الحرب الدائرة في المنطقة، مشيراً إلى أن تنوع مصادر الطاقة في المملكة يعزز قدرتها على الصمود في حال استمرار التوترات الإقليمية.
وقال أبو دية إن المنطقة تعيش منذ أواخر شهر شباط الماضي على وقع حرب مفتوحة لم تتضح نهاياتها بعد، وسط مؤشرات تشير إلى احتمال امتدادها لفترة أطول وتغيّر خريطة التحالفات في المنطقة، الأمر الذي يجعل قضية الأمن الطاقوي أولوية بالنسبة للدول، خاصة تلك التي تعتمد جزئياً على مصادر خارجية للطاقة.
وأوضح أن الأردن، بحكم موقعه الجغرافي وطبيعة اقتصاده، يتأثر بالتطورات الإقليمية، لا سيما في ما يتعلق بإمدادات الغاز الطبيعي القادمة من شرق البحر المتوسط، والتي يعتمد عليها في توليد جزء كبير من الكهرباء.
وبيّن أن الغاز الطبيعي شكّل خلال السنوات الماضية المصدر الرئيسي لتوليد الكهرباء في المملكة نظراً لكفاءته وانخفاض كلفته نسبياً مقارنة ببدائل أخرى، إلا أن أي تعطل محتمل في وصوله بسبب الظروف العسكرية يفرض تساؤلات حول قدرة المملكة على تعويض النقص في مصادر الطاقة.
وأشار أبو دية إلى أن الواقع الطاقوي في الأردن لا يدعو إلى القلق، إذ نجحت المملكة خلال العقد الأخير في تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على مصدر واحد، موضحاً أن نحو 30% من الكهرباء في الأردن يتم إنتاجها من مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إضافة إلى مساهمة محدودة للطاقة الكهرومائية.
وأضاف أن نحو 16% من الكهرباء يتم توليده من الصخر الزيتي، وهو مصدر وطني متوفر داخل المملكة ولا يعتمد على الاستيراد الخارجي، ما يعني أن قرابة نصف الكهرباء المنتجة في الأردن يأتي من مصادر وطنية سواء من الطاقة المتجددة أو الصخر الزيتي.
ولفت إلى أن الأردن يمتلك كذلك بنية تحتية تمكّنه من استيراد الغاز الطبيعي المسال عبر الموانئ كخيار بديل في حالات الطوارئ، إلى جانب إنتاج محدود من الغاز في حقل الريشة شرقي المملكة وبعض الإنتاج النفطي البسيط، إلا أن هذه الموارد تبقى محدودة ولا تكفي لتغطية كامل الطلب المحلي.
وأوضح أبو دية أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في أزمة فورية، بل في الاستعداد لاحتمال استمرار الحرب وما قد يرافقها من اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، ما يستدعي تبني سياسات استباقية لتعزيز القدرة الوطنية على التكيّف مع هذه الظروف.
ودعا إلى تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية ترشيد استهلاك الطاقة، مشيراً إلى أن التجارب الدولية أثبتت قدرة تغيير السلوك الاستهلاكي على تحقيق نتائج ملموسة خلال الأزمات، مستشهداً بتجربة اليابان بعد حادثة مفاعلات فوكوشيما عام 2011، حيث انخفض استهلاك الكهرباء بنحو 16% خلال فترة قصيرة نتيجة إجراءات تطوعية لترشيد الاستهلاك.
واقترح إطلاق حملة وطنية لترشيد الطاقة تشمل المنازل والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، إضافة إلى إمكانية تخصيص يوم وطني أسبوعي لتقليل استهلاك الطاقة من خلال خفض الإضاءة غير الضرورية وتقليل استخدام الأجهزة عالية الاستهلاك وتنظيم الاستهلاك خارج أوقات الذروة.
كما طرح فكرة تقليص ساعات عمل بعض المؤسسات العامة والمصانع يوماً واحداً أسبوعياً بشكل تجريبي خلال الأزمات بهدف خفض الطلب على الكهرباء والوقود وتقييم أثر هذه الإجراءات على الاستهلاك العام للطاقة.
وأكد أبو دية أن ضمان الأمن الطاقوي الأردني على المدى المتوسط والبعيد يرتكز على محورين رئيسيين، هما التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، خصوصاً الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب رفع كفاءة استخدام الطاقة في المباني الحكومية والقطاع الصناعي ووسائل النقل.
وختم بالقول إن استمرار الحرب قد يفرض تحديات على أسواق الطاقة العالمية، إلا أن الأردن يمتلك عناصر قوة مهمة، تتمثل في تنوع مصادر الطاقة وارتفاع نسبة الإنتاج الوطني وخبرة المؤسسات في إدارة الأزمات، ما يعزز قدرة المملكة على تجاوز أي تداعيات محتملة بثقة واستقرار.