عدد متزايد من المحللين الإسرائيليين والغربيين بدأ يشير إلى تحول جوهري في طبيعة الصراعات في الشرق الأوسط: من حروب تقليدية سريعة الحسم إلى حروب استنزاف طويلة ذات طابع أيديولوجي، حيث يصبح الصمود بحد ذاته شكلًا من أشكال الانتصار.
وتكشف الحرب الدائرة في إيران ولبنان وقطاع غزة عن حقيقة استراتيجية أصبحت أكثر وضوحًا لدى صناع القرار في واشنطن وتل أبيب، وهي أن التفوق العسكري الساحق لا يضمن تحقيق النصر العسكري أو السياسي، فبعد سنوات طويلة من الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، يتضح أن القوة العسكرية، مهما بلغت من التفوق التكنولوجي والتدميري، غالبًا ما تصطدم بجدار أكثر صلابة يتمثل في العقيدة الدينية والهوية الأيديولوجية.
الحرب المستمرة في غزة، والمواجهة الإقليمية المتصاعدة مع إيران، تشكلان اختبارًا عمليًا لهذه الحقيقة، فبينما تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل أقوى الجيوش في المنطقة، فإن خصومهما – سواء حركات مسلحة مثل حركة حماس أو أنظمة سياسية مثل النظام الإيراني – ما زالوا قادرين على الصمود وإعادة تشكيل الصراع بما يخدم استراتيجياتهم طويلة المدى، رغم القوة التدميرية وحجم الضحايا.
حرب غزة.. القوة العسكرية والضحايا
منذ اندلاع الحرب في غزة عقب هجوم تشرين الأول 2023، شنت إسرائيل واحدة من أعنف الحملات العسكرية في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مستخدمة قوة نارية هائلة أدت إلى تدمير واسع للبنية التحتية في القطاع وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا.
لكن رغم حجم القوة العسكرية المستخدمة، فإن الهدف السياسي الذي أعلنته الحكومة الإسرائيلية منذ بداية الحرب – وهو القضاء الكامل على حماس – لم يتحقق حتى الآن.
فحتى بعد أشهر طويلة من العمليات العسكرية البرية والجوية المكثفة، لم تظهر مؤشرات حقيقية على انهيار الحركة أو استسلام مقاتليها.
وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن حماس ما زالت تحتفظ بقدرة تنظيمية وعسكرية تسمح لها بمواصلة القتال، ولن ترفع الراية البيضاء.
هذا الواقع دفع عددًا من الباحثين الإسرائيليين إلى إعادة تقييم الاستراتيجية الإسرائيلية في التعامل مع الملف الفلسطيني خلال العقدين الماضيين.
وقال البروفيسور دانييل فريدمان، المتخصص في الحركات الإسلامية في جامعة تل أبيب، في تحليل نشرته صحيفة معاريف، إن الحرب كشفت فشلاً عميقًا في الرؤية الاستراتيجية للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
وأوضح فريدمان، أن سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اعتمدت لسنوات على فكرة الفصل بين غزة والضفة الغربية، وعلى افتراض أن استمرار سيطرة حماس على غزة قد يخدم إسرائيل عبر إضعاف السلطة الفلسطينية وتقويض مشروع الدولة الفلسطينية.
لكن الحرب الأخيرة أظهرت أن هذه السياسة ارتدت عكسياً، فبدلاً من إضعاف الحركة، أدى الصراع إلى تعزيز حضورها السياسي والرمزي داخل المجتمع الفلسطيني، بل وإلى تصدرها المشهد وقيادة المشروع الفلسطيني وعودة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي بعد سنوات من التراجع.
- مكاسب سياسية رغم الخسائر الميدانية
المفارقة التي يشير إليها عدد من المحللين هي أن الفلسطينيين تكبدوا خسائر إنسانية ومادية هائلة خلال الحرب، لكنهم في الوقت نفسه حققوا مكاسب سياسية مهمة على المستوى الدولي.
فقد شهد الرأي العام العالمي، خصوصًا في أوروبا والولايات المتحدة، تحولًا ملحوظًا في المواقف تجاه القضية الفلسطينية، وتزايدت مظاهر التضامن الشعبي مع الفلسطينيين في الجامعات والشارع الغربي، خاصة بين الأجيال الشابة.
وانعكس هذا التحول في الساحة القانونية الدولية، حيث اتخذت المحكمة الجنائية الدولية خطوات غير مسبوقة ضد القيادة الإسرائيلية، ما وضع الحرب في إطار قانوني وسياسي يتجاوز حدود الصراع العسكري التقليدي.
خطأ استراتيجي في فهم طبيعة الخصم
الباحث الإسرائيلي أفنر بن زاكن، يرى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالفشل العسكري، بل بخطأ أعمق في فهم طبيعة الخصم.
وقال زاكن، في تحليل مطول، بـ«معاريف»، إن إسرائيل والغرب عمومًا أخطآ في قراءة طبيعة الحركات الإسلامية، لأنهما ينظران إلى الصراع من منظور المصالح السياسية التقليدية، بينما تقوم هذه الحركات على أساس عقائدي وديني أعمق بكثير.
وأضاف أن الهوية في المجتمعات الإسلامية ليست مجرد مسألة سياسية، بل ترتبط بمنظومة دينية وثقافية واسعة تمنح هذه الحركات قدرة استثنائية على الصمود في مواجهة الضغوط العسكرية.
وأوضح أن حماس لا تمثل مجرد تنظيم عسكري، بل تجسد جزءًا من هوية دينية وسياسية داخل المجتمع الفلسطيني، وهو ما يجعل القضاء عليها بالقوة العسكرية وحدها أمراً بالغ الصعوبة.
ويضيف بن زاكن، أن التجربة الأميركية في أفغانستان تقدم مثالاً واضحًا على هذا الواقع، حيث فشلت الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري الهائل، في القضاء على حركة طالبان بعد حرب استمرت عشرين عامًا.
إيران.. استراتيجية البقاء
المشهد نفسه يتكرر في المواجهة المتصاعدة مع إيران، فبالرغم من الضربات العسكرية التي استهدفت مواقع حساسة داخل الأراضي الإيرانية، فإن النظام في طهران، الذي تم اغتيال معظم قياداته العسكرية والدينية بما فيها المرشد، لم يظهر مؤشرات على الانهيار أو التراجع.
وقال المحلل العسكري في صحيفة هآرتس، عاموس هرئيل، إن الضربات التي نفذتها إسرائيل والولايات المتحدة داخل إيران يمكن وصفها بأنها نجاح عملياتي مهم، لكنها لا تعني تحقيق الهدف السياسي الأكبر للحرب. وأوضح أن النظام الإيراني يتبع استراتيجية مختلفة تقوم على توسيع المواجهة إقليمياً بدلاً من مواجهتها بشكل مباشر داخل حدوده، ويعتمد على شبكة معقدة من الحلفاء الإقليميين، تشمل حزب الله في لبنان والميليشيات الشيعية في العراق واليمن، ما يسمح له بتحويل أي مواجهة إلى حرب متعددة الجبهات.
من جهته، اختصر المحلل الإسرائيلي رون بن يشاي، الاستراتيجية الإيرانية بمفهوم بسيط: «النصر عبر عدم الإنكسار»، حيث لا تسعى طهران إلى تحقيق نصر عسكري تقليدي، بل تراهن على الصمود لفترة طويلة حتى تتعب الخصوم أو تتغير الظروف السياسية الدولية.
وهم إسقاط النظام في طهران
داخل إسرائيل بدأت تتصاعد الشكوك حول واقعية الرهان على إسقاط النظام الإيراني عبر الضربات العسكرية.
وقال الباحث الإسرائيلي ميخائيل ميلشتاين، إن الضربات التي تعرض لها النظام الإيراني كانت قاسية وغير مسبوقة، لكنها لم تؤد إلى ظهور مؤشرات جدية على انهياره.
وأوضح أن سقوط أي نظام سياسي يتطلب عادة ظهور انشقاقات داخل النخبة الحاكمة أو اندلاع احتجاجات شعبية واسعة، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
بل على العكس، نجح النظام الإيراني في إعادة تنظيم نفسه بسرعة، مع تعيين قيادات بديلة في المؤسسات العسكرية والأمنية. كما يشير بعض المحللين إلى أن حتى اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، لم يؤدي إلى انهيار النظام، بل تحول إلى رمز تعبوي يعزز تماسكه، خصوصًا في ظل الرمزية الدينية العميقة لمعركة كربلاء في الوعي الشيعي.
الفجوة الحضارية في فهم الشرق الأوسط
عدد من الباحثين الغربيين يرون أن جذور المشكلة تكمن في الفجوة بين طريقة تفكير الغرب وطبيعة المجتمعات في الشرق الأوسط.
الباحث الأميركي فالي نصر، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز، كتب في مجلة «Foreign Affairs» أن الولايات المتحدة تميل إلى تحليل صراعات الشرق الأوسط من زاوية المصالح السياسية التقليدية، بينما تلعب الهوية الدينية والأيديولوجية دورًا مركزيًا في تشكيل سلوك الفاعلين في المنطقة.
وأضاف أن الأنظمة والحركات الأيديولوجية في الشرق الأوسط تستمد شرعيتها من سرديات تاريخية ودينية عميقة، وهو ما يجعلها أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الضغوط العسكرية.
وفي السياق نفسه قال الباحث الأميركي كينيث بولاك في تحليل نشره مركز بروكينغز إن محاولات تغيير الأنظمة في الشرق الأوسط بالقوة العسكرية غالبًا ما تؤدي إلى نتائج عكسية، فالهجوم الخارجي قد يعزز الشعور القومي والديني داخل المجتمعات المستهدفة، ما يوحدها خلف النظام بدلاً من دفعها إلى إسقاطه.
حرب إقليمية في قلب صراع دولي
مع تصاعد المواجهة بين إسرائيل وإيران، بدأ بعض المحللين ينظرون إلى الصراع الحالي بوصفه جزءًا من تنافس دولي أوسع بين القوى الكبرى.
فقد قال الباحث الإسرائيلي ميخائيل ميلشتاين إن الحرب في الشرق الأوسط لم تعد مجرد مواجهة إقليمية، بل أصبحت مرتبطة بحسابات القوى الكبرى.
وأضاف أن روسيا والصين قد لا ترغبان في إنهاء هذا الصراع بسرعة، لأن استمراره يستنزف الولايات المتحدة ويشغلها عن ملفات أخرى أكثر أهمية بالنسبة لهما، مثل الحرب في أوكرانيا أو التوتر المتصاعد حول تايوان.
السيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة
في ضوء هذه المعطيات، يتحدث المحللون عن ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الصراع في المنطقة:
الأول: استمرار حرب الاستنزاف لفترة طويلة: حيث تراهن إيران وحلفاؤها على إطالة أمد المواجهة حتى تتغير الحسابات السياسية في واشنطن أو داخل إسرائيل.
الثاني: العودة إلى المسار الدبلوماسي: إذ قد تسعى الولايات المتحدة إلى التوصل إلى اتفاق نووي جديد مع إيران يفرض قيودًا على برنامجها النووي مقابل تخفيف العقوبات.
الثالث: اتساع نطاق الحرب: وهو السيناريو الأكثر خطورة، ويشمل فتح جبهات إضافية في المنطقة، خصوصًا إذا تصاعدت المواجهة مع حزب الله في لبنان أو دخلت أطراف إقليمية أخرى بشكل مباشر.
- الشرق الأوسط.. لا يكفي التفوق العسكري
الدرس الاستراتيجي الأبرز الذي تكشفه حروب الشرق الأوسط اليوم هو أن القوة العسكرية، رغم أهميتها، لم تعد كافية لحسم الصراعات.
ففي منطقة تتشابك فيها السياسة بالدين والتاريخ بالهوية، يصبح الصمود أحيانًا أكثر تأثيرًا من القوة.
ولهذا يرى عدد متزايد من المحللين أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الولايات المتحدة وإسرائيل ليس عسكريًا فقط، بل فكريًا واستراتيجيًا أيضًا: كيف يمكن التعامل مع خصوم يعتبرون الصمود جزءًا من عقيدتهم السياسية والدينية؟