41 بالمئة من الصيادلة لا يعرفون بوجود إرشادات لإدارة النفايات الدوائية
بلعاوي : المشكلة تنظيمية وليست تقصيرا من الصيادلة
في وقت أصبح فيه الحفاظ على البيئة جزءا أساسيا من منظومة الصحة العامة سلطت دراسة علمية حديثة صادرة عن الأوساط الأكاديمية الأردنية الضوء على الدور المتنامي للصيادلة في مواجهة التلوث الدوائي ضمن مفهوم عالمي متصاعد يعرف بـ"الصيدلة الخضراء".
الدراسة التي اطلعت عليها "الرأي" ونشرت مؤخرا في المجلة الدولية للتعليم الطبي BMC Medical Education، المصنفة ضمن الربع الأول (Q1) في قاعدة بيانات "سكوبس" وبمعامل تأثير يبلغ 3.2، تعد أول تقييم علمي شامل لممارسات الصيدلة الخضراء في الأردن.
وقد جاءت الدراسة ثمرة تعاون بحثي بين جامعة البترا وجامعة الشارقة، مقدمة قراءة معمقة لواقع الممارسة الصيدلانية البيئية في المملكة، وكاشفة عن مفارقة لافتة بين الوعي المهني المرتفع لدى الصيادلة، وضعف البنية التنظيمية التي تمكنهم من تحويل هذا الوعي إلى ممارسات عملية.
وبحسب الدراسة فإنه لا يقتصر مفهوم الصيدلة الخضراء على صرف الدواء فحسب، بل يمتد ليشمل دورة حياة الدواء بالكامل، بدءا من التصنيع وصولا إلى الاستخدام والتخلص الامن من بقاياه، مع التركيز على الحد من الأثر البيئي للنفايات الصيدلانية.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في الأردن، حيث يشكل الأمن المائي تحديا وطنيا استراتيجيا، في ظل المخاوف المتزايدة من تسرب المتبقيات الدوائية إلى المياه الجوفية، بما في ذلك المضادات الحيوية والعلاجات الهرمونية، الأمر الذي قد يهدد النظم البيئية وصحة الإنسان على حد سواء.
ولفهم واقع الممارسة الصيدلانية البيئية في المملكة، استهدف الفريق البحثي 380 صيدلانيا مرخصا يعملون في صيدليات المجتمع والمستشفيات، موزعين على أقاليم المملكة الثلاثة (الشمال والوسط والجنوب)، حيث اعتمدت الدراسة التي استكملت عملية جمع بياناتها في اب 2025، على منهجية علمية لقياس المعرفة والمواقف والممارسات (KAP) المتعلقة بالصيدلة الخضراء، فيما أظهرت نتائجها وجود فجوة واضحة بين المواقف المهنية الإيجابية للصيادلة، وبين الممارسات الفعلية على أرض الواقع.
وسجل الصيادلة الأردنيون مستوى مرتفعا جدا في معيار المواقف بمتوسط بلغ 4.4 من أصل 5، مما يعكس إدراكا عاليا لمسؤوليتهم الأخلاقية والمهنية تجاه البيئة، واستعدادهم للعب دور محوري في توعية المرضى حول طرق التخلص الآمن من الأدوية، إضافة إلى رغبتهم في دمج مفاهيم الاستدامة في ممارساتهم اليومية.
إلا أن الصورة بدت مختلفة عند قياس الممارسات العملية، إذ انخفض متوسط هذا المؤشر إلى 2.9 من أصل 5، وهو ما يشير إلى وجود فجوة واضحة بين النية والتطبيق.
وبينت الدراسة أن بعض الممارسات الفردية مثل تقديم النصيحة للمرضى حول التخلص من الأدوية، كانت حاضرة إلى حد ما، في حين تكاد الممارسات المؤسسية المنظمة، مثل برامج استرداد الأدوية غير المستخدمة أو التعاون مع خدمات إدارة النفايات، تكون شبه غائبة.
كما كشفت الدراسة عن ارتباك تنظيمي واضح في التعامل مع النفايات الصيدلانية، إذ أفاد 40.8% من الصيادلة المشاركين بعدم علمهم بوجود أي مبادئ توجيهية رسمية في الأردن لإدارة النفايات الدوائية.
حتى بين الصيادلة الذين أشاروا إلى معرفتهم بوجود تعليمات تنظيمية، تبين أن كثيرا منهم استند إلى جهات تنظيمية غير دقيقة، مما يعكس حالة من الغموض التشريعي قد تعيق تطبيق الممارسات البيئية السليمة.
ويضاف إلى ذلك غياب التدريب المتخصص، إذ أظهرت الدراسة أن 66.3% من الصيادلة لم يتلقوا أي تدريب مسبق في مجال الصيدلة الخضراء أو الاستدامة البيئية، وهي نتيجة اعتبرها الباحثون مؤشرا يستدعي مراجعة فورية للمناهج الجامعية وبرامج التطوير المهني المستمر (CPD).
وأظهر التحليل الإحصائي للدراسة أن التدريب المتخصص كان العامل الأهم في تعزيز معرفة الصيادلة وممارساتهم في مجال الصيدلة الخضراء.
كما تبين أن الصيادلة العاملين في سلاسل الصيدليات أكثر ميلا لتطبيق الممارسات البيئية السليمة مقارنة بنظرائهم في الصيدليات المستقلة، مما يشير إلى دور الهيكل المؤسسي والموارد والبروتوكولات الموحدة في دعم إدارة أفضل للنفايات الدوائية.
من جهته علق أستاذ العلاج الدوائي السريري في جامعة البترا على نتائج الدراسة في تصريح "للرأي"، إن ما تكشفه هذه النتائج لا ينبغي تفسيره على أنه تقصير فردي من الصيادلة، بل يعكس تحديات تنظيمية وهيكلية أوسع.
وأوضح أن الدراسة تؤكد وجود رغبة حقيقية لدى الصيادلة الأردنيين للانخراط في ممارسات صيدلانية صديقة للبيئة، إلا أن غياب الأطر التنظيمية الواضحة يحول دون ترجمة هذه الرغبة إلى ممارسات عملية.
وأكد بلعاوي أن ما تظهره هذه الدراسة عالية التأثير، هو أن روح الصيدلي الأردني تواقة للتغيير، لكن البنية التحتية المتاحة ما تزال هشة.
وأضاف أن العوائق التي تواجه تطبيق مفهوم الصيدلة الخضراء في الأردن ليست فردية بقدر ما هي منهجية وتنظيمية، موضحا أن الصيدلي لا يمكنه تنفيذ برامج لإدارة النفايات الدوائية الخطرة بمعزل عن منظومة متكاملة.
وأشار بلعاوي إلى أن غياب المبادئ التوجيهية الوطنية الواضحة، والدعم اللوجستي، والإطار القانوني الموحد يترك الصيادلة دون الأدوات اللازمة لتحويل مواقفهم الإيجابية إلى إجراءات عملية لحماية البيئة.
ونوه إلى أن معالجة هذه الفجوة تتطلب تكاملا بين التشريع والتدريب والتوعية المهنية، بما يتيح تحويل الصيدليات إلى نقطة محورية في منظومة الإدارة الآمنة للنفايات الدوائية وحماية الموارد البيئية.
ووصف بلعاوي الدراسة بأنها "نداء للعمل" موجه إلى نقابة صيادلة الأردن ووزارة الصحة، مؤكدا أن الصيادلة يدركون أهمية حماية البيئة، لكنهم يحتاجون إلى إطار تنظيمي واضح يدعم ممارساتهم.
ودعا إلى إدماج الصيدلة الخضراء ضمن برامج التطوير المهني المستمر، والعمل على تطوير برنامج وطني لاسترداد الأدوية غير المستخدمة يتيح التخلص الامن منها ويعزز دور الصيادلة في حماية السلامة الدوائية والبيئية.
وبحسب الدراسة يرى 92.1% من الصيادلة أنفسهم معلمين أساسيين للمرضى في ما يتعلق بالتخلص الامن من الأدوية، إلا أن غياب المواد التثقيفية والدعم المؤسسي يحد من قدرتهم على أداء هذا الدور، في وقت ما تزال فيه ممارسات مثل رمي الأدوية في القمامة أو سكبها في الصرف الصحي شائعة، بما يسهم في تفاقم مقاومة المضادات الحيوية والتلوث البيئي.
وتخلص الدراسة إلى أن تعزيز الصيدلة الخضراء في الأردن، يتطلب مواءمة بين السياسات الصحية والبيئية وتحديث التعليم الصيدلاني، بما يمكن الصيادلة من تحويل وعيهم البيئي، إلى ممارسات عملية تحمي صحة الإنسان والبيئة.