المحاكاة المهنية تدريب استباقي لإدارة الأزمات
20% من الفاعلية تفقد قبل وصول الدواء للمريض
غرايبة : الأمن الدوائي يبدأ من هندسة لوجستية دقيقة
عدم التزام المرضى بالعلاج من أسباب الهدر
في وقت تنفق فيه مئات الملايين من الدنانير سنويا على الأدوية تشير تقديرات محلية إلى أن ما يقارب 250 مليون دينار سنويا قد يضيع تحت بند الهدر الدوائي فيما تقدر قيمة الأدوية المتلفة داخل وزارة الصحة وحدها بنحو 12 مليون دينار سنويا.
وبين ضعف كفاءة سلاسل الإمداد، واختلالات التوزيع، وسلوكيات التخزين غير الرشيد، يتاكل جزء من فاتورة الدواء قبل أن يصل إلى مستحقيه، لينعكس ذلك نقصا في بعض الأصناف، أو ضغطا ماليا إضافيا، أو تأخيرا في العلاج.
وفي الوقت الذي يعد قطاع الصناعات الدوائية أحد أعمدة رؤية التحديث الاقتصادي 2033، بمساهمة تقدر بنحو 1.1 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي، ومستهدفات طموحة للوصول إلى 2.1 مليار دولار بحلول عام 2033، يبرز تحد مواز لا يقل أهمية عن التصنيع ذاته، وهو كفاءة إدارة الدواء بعد إنتاجه.
أوضحت الدكتورة الصيدلانية المتخصصة في تحليل سلاسل الإمداد الصحية الدكتورة الصيدلانية رهام غرايبة "للرأي" أن الخلل لا يكمن في نقص الأدوية بقدر ما يكمن في تدفقها داخل النظام، مشيرة إلى أن غياب الربط الرقمي المتكامل بين المستودعات المركزية ونقاط الصرف النهائية يؤدي إلى اختلالات تعرف لوجستيا بـ"أثر الحافز"، حيث يتكدس المخزون في جهة بينما تعاني جهة أخرى من نقص حاد.
واعتبرت أنه بحسب التقديرات، فإن تحسين كفاءة التوزيع بنسبة 10% فقط قد يوفر ما بين 15 إلى 20 مليون دينار سنويا من الفاتورة الدوائية الإجمالية، وهي مبالغ يمكن إعادة استثمارها في تحديث البنية التحتية الصحية أو توسيع إتاحة الأدوية المبتكرة لمرضى الأمراض المزمنة.
وتشير بيانات الإنفاق الصحي الوطني إلى أن الأدوية تشكل ما يقارب 27-30% من إجمالي الإنفاق الصحي في الأردن، وهي نسبة مرتفعة تعكس حجم الاعتماد على الفاتورة الدوائية داخل المنظومة الصحية.
كما ترصد الموازنات العامة مخصصات بمئات الملايين سنويا لشراء الأدوية والمستلزمات الطبية ضمن وزارة الصحة والخدمات الطبية الملكية والمستشفيات الجامعية.
في المقابل، تقدر دراسات محلية أن قيمة الهدر الدوائي في المملكة قد تصل إلى نحو 250 مليون دينار سنويا، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن الأدوية المتلفة داخل وزارة الصحة وحدها تقارب 12 مليون دينار سنويا.
وعلى المستوى الدولي، تؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية أن نسبة الفاقد في سلاسل التوريد الدوائية في الدول المتوسطة والنامية قد تصل إلى 25%، نتيجة ضعف التنبؤ بالطلب، واختلالات التوزيع، وسوء إدارة المخزون.
وبينت غرايبة أن هذه الأرقام تضع سؤال الكفاءة في صلب النقاش، فهل المشكلة في حجم الإنفاق أم في إدارة التدفق؟، مشيرة إلى أن غياب الأنظمة التحليلية المتقدمة، قد يؤدي إلى فقدان ما يصل إلى 20% من فاعلية السلسلة اللوجستية قبل وصول المنتج إلى المريض.
ولفتت إلى أن الهدر لا يتوقف عند حدود المخازن والمؤسسات، فالدراسات مسحية أجريت على صيادلة مجتمع في الأردن أظهرت أن أكثر من 75% يرون أن عدم التزام المرضى بالعلاج سبب رئيسي للهدر.
وتابعت بأن نحو 60% يشيرون إلى نقص وعي المرضى حول الاستخدام الرشيد، بالإضافة إلى أن قرابة 70% أبدوا استعدادهم لجمع الأدوية غير المستخدمة إذا وجد إطار تنظيمي واضح، مما يعني أن إدارة سلاسل الإمداد يجب أن تتكامل مع سياسات التثقيف الدوائي والحوكمة التنظيمية.
ونوهت غرايبة إلى أهمية الاستثمار في تدريب الكوادر الصيدلانية على تقنيات "المحاكاة المهنية"، وهي أدوات رقمية تتيح إدارة سيناريوهات نقص التوريد والأزمات في بيئة افتراضية، بما يعزز القدرة على التنبؤ وإدارة المخزون بكفاءة أعلى، حيث تشير تقارير دولية إلى أن المؤسسات التي تعتمد التدريب القائم على المحاكاة، تنجح في تقليل أخطاء التنبؤ بالمخزون بنسبة تصل إلى 30%.
بدورهم أكد خبراء في السياسات الصحية "للرأي" أن كفاءة سلاسل الإمداد لم تعد قضية إدارية بحتة، بل أصبحت مؤشرا مباشرا على متانة الأمن الدوائي الوطني.
وأشاروا إلى أن أي نظام صحي ينفق مئات الملايين سنويا على الأدوية دون منظومة رقمية متكاملة لإدارة المخزون والتوزيع، سيظل معرضا لفجوات مكلفة.
وأكدوا على أن التحول نحو أنظمة تنبؤ ذكية قائمة على تحليل البيانات اللحظية، يمكن أن يخفض الهدر بنسبة ملموسة، ويمنع تكرار سيناريوهات النقص أو التلف، مؤكدين أن "كل تحسن بنسبة 1% في كفاءة سلسلة الإمداد، ينعكس مباشرة على قدرة النظام الصحي على توسيع التغطية العلاجية دون زيادة العبء على الموازنة العامة".
وشددوا على أن الطريق نحو ريادة الأردن كمركز إقليمي للرعاية الصحية لا يمر عبر التصنيع فقط، بل عبر هندسة لوجستية دقيقة تحمي الموارد وترفع كفاءة الإنفاق.