«الطابون».. حفرة أمل لأرملتين فقدتا السند

تاريخ النشر : الاثنين 11:21 23-2-2026

على جانب طريق عام مزدحم، طريق لا يعرف الرحمة، تقف أرملتان لا تطلبان صدقة، ولا ترفعان شكوى، بل تبيعان خبزا، من خلال مشروع قوامه رِواق صغير وحفرتا طابون..

والطابون هنا ليس مجرد حفرة في الأرض، ولا فرن بدائي تجاوزه الزمن، بل ذاكرة وطن، ورائحة تاريخ، ونارٌ دافئة حملت في جمرها حكايات الأمهات والبيوت الفقيرة التي عاشت على القليل، وصنعت منه كرامتها.

في غور الصافي، جنوب الأردن، لا يزال الطابون حيا، لا بوصفه أثرا تراثيا معروضا للفرجة، بل بوصفه وسيلة بقاء، ورغيف حياة يُنتزع من قسوة الأيام.

هنا، اعتاد أهل المنطقة أن يكون الخبز ثمرة صبر طويل، وأن لا يُؤكل الرغيف إلا بعد عناء، فصار الطابون عنوان البيت العامر، وشاهدا على قوة المرأة الأردنية التي حملت الأسرة على كتفيها بصمت.

لقمة عيش محفوفة بمخاطر الطريق العام المزدحم بالشاحنات الكبيرة، خاصة والمنطقة يمر بها عدد كبير من عربات نقل البوتاس..

صعوبة العيش وضنك الحياة وإعالة أسرتين من نحو 20 فردا، تقوم بهما هاتان الأرملتان اعتمادا على هذا المشروع الصغير..

لا سند ولا معيل إلا كد يديهما، بعد وفاة زوجيهما اللذين كانا السند والمعين والمعيل.

عِزِّيَة وهند، امرأتان فقدتا السند، لكنهما لم تفقدا الكرامة..

تتحدث هند، وهنا.. تسقط دمعة قسرا، من عينٍ أنهكها الفقد، وتشقق خد أرقته المعاناة، بصوت متحشرج، وكلمات ثقيلة، تحكي عن زوج غاب، وسند انكسر، فكسر، وحياة كأنها لم تبق شيئا إلا القسوة.

خطوات العمل

يبدأ التجهيز لعملية الخبز مسبقا، خلال اليوم السابق، بما يسمى بخطوة «التَزْبيل»، التي تعتمد على وضع كمية من مادة «الزِبِل» وهي عبارة عن روث الأغنام الجاف، حول حفرة الطابون المغلقة بإحكام، ويتم إشعال النار بها لساعات طويلة حتى تصبح جمرا، ثم يصبح الجمر رمادا، وتكون جاهزة لعملية الخبز في اليوم التالي.

مع أول خيوط الصباح، يبدأ العمل من جديد، يُحضَّر العجين، يُقطّع ويُترك ليرتاح، ثم تُرقّ الأرغفة استعدادًا لاحتضانها حرارة الطابون.

ترتفع درجة الحرارة، وتدخل الأرغفة إلى جوف الأرض، وكأنها تدخل امتحان الحياة.

بعد النضج، يُزال الجمر، وتُفتح حفرة الطابون، فتخرج الأرغفة ساخنة، تفوح منها رائحة الأرض، ولعلك استنشقت بها عبق رائحة الصبر.

يُحضر الخبز للبيع، ويُنتظر قدوم الزبائن، وتبيع كل من عزّيّة وهند.. أرغفة خبز ولعلهما تشتريان بهذا البيع الامل.. أملًا بغد أفضل..

وكلما انتهت عملية الخبز تبدأ من جديد عملية أخرى حتى انتهاء كمية العجين.

كل رغيف يخرج من الطابون هنا محفوف بالخطر، خطر الطريق، وخطر الحاجة، وخطر الغد المجهول..

تعود عِزِّيَة إلى البيت خلال النهار، للاعتناء ببعض التفاصيل العائلية، البيت الذي يعاني الفقر والقلة مثل معاناة حياتهما تماما..

في هذا الصدد تؤكد عِزِّيَة (أم خالد) أنها منذ سبعة عشر عامًا وهي تقف كل يوم إلى جانب الطابون..

وتشير إلى أنهم يعملون على الشارع الرئيسي: «شارع مليء بالخطر، شاحنات وآليات كبيرة تمرّ بجانبنا، لا أمان هنا، لكن لا خيار لنا، هذا هو مصدر رزقنا الوحيد، ومنه نعيش ونُعيل أيتامنا».

وتقول: «الزبل بالنسبة إلينا هو وقود عملنا، وهو كذلك سر رغيف الطابون، نحن نستخدم زبل النعاج تحديدًا لأنه الأكثر حرارة، يعطي نارًا قوية وتبقى محتفظة بحرارتها ليومين متواصلين، بعكس الحطب الذي يبرد سريعًا، أو الغاز والكاز اللذين أصبحت تكلفتهما فوق قدرتنا».

وتضيف: «حين تُعلن الأرصاد الجوية عن منخفض أو مطر، لا ننتظر نسبق الجميع، نذهب لجمع الزبل الناشف ونغطيه جيدًا حتى لا يبتل من المياه، نفعل ذلك كي لا ينقطع عملنا، وكي لا يتوقف رزقنا، نُجهّز الطابون اليوم، ونخبز في اليوم التالي، فنعمل منذ السابعة أو الثامنة صباحًا وحتى الثالثة عصرًا، ثم نعود لنجهز لعملنا من جديد».

تشتكي عزية: «أنا امرأة تعبت كثيرًا، عانيت الشمس الحارقة، وبرد الشتاء، وطول أيام الصيام في رمضان، لكنني لم أتوقف يوما، كنت أعمل أنا وزوجي يدًا بيد؛ نخبز معا، ونزرع الأرض معا، ونحضر الزبل معا، هو يشعل الطابون، وأنا أخبز، وكانت الحياة تمضي بنا رغم التعب.. إلى أن جاء اليوم الذي رحل فيه».

وتؤكد: «توفّي زوجي أمام عيني، في الأرض ونحن نعمل، سقط متعبا، وترك الدنيا بين يدي، لم يكن سهلًا أن أُكمل، ولم يكن مقبولا التراجع، لكن كان لا بد أن أتابع».

وتكمل: «بقيت وحدي، لكنني لم أستسلم، واصلت الطريق من أجل بناتي وأبنائي، واليوم أقف مع سلفتي على الشارع نفسه، نواجه الخطر، خطر الشاحنات والمركبات الكبيرة، ونقاوم نار الطابون ونار الشمس التي تحرق الأجساد».

وتكرر شكواها: «ليس لدينا مصدر رزق غير هذا الطابون، ولا خيار لنا سوى الصبر، فالخبز الذي نخبزه ليس طحينا ونارا فقط، بل هو تعب عمر، وصحة ذهبت ولن تعود».

وبالنسبة إلى هند الخليفات (أم أيمن) فهي أيضا تعمل مع سلفتها أم خالد في مشروع خبز الطابون منذ أكثر من سبعة عشر عاما..

وكانت سابقا تعمل إلى جانب زوجها في الزراعة إضافة لخبز الطابون، يتقاسمان الجهد والمسؤولية لتأمين لقمة العيش لأسرتهما.

في عام 2016، فقدت هند زوجها أثناء عملهما في الأرض، حيث توفي بشكل مفاجئ في شهر رمضان، وشكلت هذه الحادثة نقطة تحول في حياتها، إذ وجدت نفسها أمام مسؤولية إعالة الأسرة وحدها، وبعد عام واحد فقط، توفي شقيق زوجها، لينتقل مشروع الطابون إلى هند وسلفتها عزية كوسيلة وحيدة لتأمين دخل الأسرة.

تشير هند إلى أن دخل العمل محدود، إذ لا يتجاوز في بعض الأيام ستة إلى ثمانية دنانير، تُصرف مباشرة في شراء الطحين لتأمين الإنتاج في اليوم التالي.

وتواجه كذلك صعوبات إضافية، تتعلق بطبيعة العمل، مثل جمع الزبل المستخدم في إشعال الطابون من الأراضي الزراعية، وما يرافق ذلك من مخاطر، كوجود الحشرات والعقارب وحتى الثعابين.

وتشكو أيضا درجات الحرارة المرتفعة في الصيف، والبرد القارس في الشتاء، في ظل غياب أي مأوى يحميهن من الظروف الجوية خلال عملهن.

تؤكد هند أن خبز الطابون الذي تنتجه مطلوب من الزبائن، مشيرة إلى أن كثيرين يتواصلون معها في حال توقفها عن العمل ليوم أو يومين، ما يعكس اعتماد شريحة من الناس على هذا المنتج كمصدر غذائي يومي.

وعلى الرغم من توقفها عن العمل لمدة عام بعد وفاة زوجها، عادت هند لمزاولة المهنة مجددًا بدافع المسؤولية تجاه أبنائها، مؤكدة أن الاستمرار في العمل لم يكن خيارا، بل ضرورة فرضتها متطلبات الحياة.

اليوم، تواصل هند عملها إلى جانب سلفتها، في ظروف صعبة ومخاطر يومية، معتمدة على الطابون كمصدر دخل وحيد، ومستمرة في مواجهة التحديات بإيمان وصبر، أملاً في تأمين مستقبل أفضل لأبنائها.

وتستمر الحياة.. رغم الفقد، رغم القهر، رغم ضيق الحال.

لأن الطابون هنا ليس خبزًا فقط، بل كرامة امرأة، وصبر أرملة، وحكاية وطنٍ لا ينكسر.

التكافل المجتمعي.. «سراجٌ» يضيء عتمة العيش

في شهر رمضان المبارك، تتجلى معاني التكافل الاجتماعي، ويسعى المحسنون وأصحاب الأيادي البيضاء إلى تلمس حاجات المعوزين والمساكين..

في هذه الأيام الفضيلة، تنتعش مظاهر الخير وتزدهر دروبه، ويظهر العطف والعون بأبدع صورهما بين أفراد المجتمع، وعلى الطرف الآخر يترقب الضعيف وصاحب الحاجة حصته في هذا العطاء..

ونحن هنا نسلط الضوء على بعض الحالات، ليس الكل، ولكل حالة نطرحها، يوجد حالات مماثلة لها، وثمة مشاهد عديدة من أشكال العوَزِ والحرمان، لكننا نطرح هنا مثالا مما وصلنا إليه بالبحث والتحري في سلسلة حلقاتنا هذه..

لأجل ذلك نفتح هذه النافذة، لتكون كمن يدل على الخير، وسعيا إلى تعزيز المسؤولية الاجتماعية، واستنهاض همم المقتدرين والميسورين، وتحفيز مبدأ التكافل الاجتماعي لدى أفراد ومؤسسات المجتمع كافة.

ونأمل أن تكون نافذتنا الإنسانية، بمثاية دعوة لشركات ومؤسسات القطاع الخاص؛ إلى التفاعل الإيجابي مع ما تنشره «$» من قصص إنسانية خلال هذا الشهر الفضيل، الهدف المباشر من نشرها تحقيق ما يتطلع إليه أصحابها من عون وإغاثة.

فالتكافل المجتمعي يسير جنبا إلى جنب، بالتوازي مع ما تقدمه الحكومات، ممثلة بأذرعها ومؤسساتها المعنية في هذا الشأن.

ولا يُقتصر هذا العمل الرعوي في جميع الدول -حتى المقتدرة اقتصاديا منها- على موازنة الدولة فقط، فالشركات ومؤسسات القطاع الخاص، وكذلك الأفراد، شركاء في تدعيم ومساندة مجتمعاتهم..

وفي ظل إتساع دائرة الفقر وقلة الإمكانيات، وعطفا على ضعف الموازنة ومحدودية موارد الدولة، فإن وزارة التنمية الاجتماعية، منفردة، لا قدرة ولا إمكانيات كافية لديها، لتقوم بهذا الدور وحدها..

هنا يأتي دور التكافل الاجتماعي الذي ننشد، فلا مناص عن تعاضد المجتمع بمكوناته ومؤسساته؛ لحمل مسؤولية الإسناد والمؤازرة..

ونذكّر أنفسنا أن الخير يزدهر بالعطاء.. وأن اليد التي تُساعد اليوم، ترسم غدًا أكثر أملًا لمن يحتاج.

الرأي الإنساني.. نافذةٌ للأمل

تُطلق الرأي خلال هذا الشهر الفضيل، مبادرة إنسانية، تحمل الأمل لمن هم بأمسّ الحاجة إليه.. مبادرةٌ نأمل منها أن تضيء دروب الأسر الفقيرة، والأفراد الذين يعانون ظروفًا صعبة…

مبادرةٌ تسعى لأن تشكل حلقة الوصل بين أصحاب الخير.. وبين من ينتظرون يد العون. وتفتح باب الإحسان أمام القلوب الرحيمة، أسميناها: «الرأي الإنساني.. نافذة للأمل»..

من قلب الميدان.. فريق «الرأي الإنساني» ينقل إليكم قصصًا حقيقية.. مشاهد من الواقع، تعكس آلامًا.. وتحمل طموحاتٍ تنتظر من يُحققها..

نحن هنا.. لنكون جسرًا بين من يحتاج.. ومن يستطيع.

معًا، نستطيع أن نُحدث فرقًا.. معًا، نجعل التكافل الاجتماعي أسلوب حياة.. معًا، نجعل «الرأي الإنساني» نافذةً للأمل.

انتظرونا خلال شهر رمضان المبارك.. وكونوا أنتم الخير الذي يُنير حياة الآخرين.

فريق العمل:

محمـد سـويلم - محمد القرالة

محمد الحياني - بشار الخمايسة

لمى العتوم

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }