في ظل التحديات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم يعد دور المدرسة يقتصر على نقل المعرفة فحسب، بل أصبح يتجاوز ذلك ليشمل بناء شخصية الطالب نفسيا وتربويا، وصقل مهاراته، وتعزيز ثقته بذاته، وإعداده للحياة.
فالمناخ المدرسي الآمن لم يعد خيارا تكميليا، بل شرطا أساسيا لنجاح العملية التعليمية وتحقيق أهدافها.
حيث ان توفير بيئة تعليمية قائمة على الاحترام، والعدالة، ومراعاة الفروق الفردية، والتواصل الإيجابي، يسهم بصورة مباشرة في تعزيز الصحة النفسية للطلبة، ورفع دافعيتهم نحو التعلم، وتقوية انتمائهم للمدرسة. وفي المقابل، فإن غياب هذا المناخ قد ينعكس سلبا على تحصيلهم الدراسي وسلوكهم وتوازنهم النفسي.
ومن هنا، تتضح أهمية الدور التربوي للمعلم والإدارة المدرسية في إرساء ثقافة قائمة على الحب والحزم المسؤول، والتعزيز الإيجابي، وفهم الخصائص النمائية للطلبة، بما يضمن تعليما فاعلا يرتبط بالحياة ويستمر أثره مدى العمر
أكدت الدكتورة التربوية أمينة الحطاب أن المدرسة لا بد أن تكون بيئة آمنة نفسيا وتربويا حتى تتمكن من تحقيق رسالتها وأهدافها المنشودة، مشيرة إلى أن ذلك يبدأ باحترام شخصية الطالب ومراعاة الفروق الفردية بينهم، وضبط الإدارة الصفية بمزيج من الحزم والحب، بما يمكن الطالب من إدراك ما له وما عليه بوضوح.
وشددت الحطاب على أهمية التعامل مع الطلبة بعدالة تامة، بعيدا عن أي محاباة مرتبطة بمكانة الوالدين أو وضعهم الاجتماعي، مع ضرورة تفهم ظروف الطلبة المختلفة وتقديم الدعم لهم دون المساس بكرامتهم أو إحراجهم أمام الآخرين.
وأوضحت أن استخدام التعزيز كمنهج تربوي يسهم في إثارة دافعية الطلبة نحو التعلم، مؤكدة في الوقت ذاته أن على المعلم أن يكون واعيا بذاته، وألا يسقط ما يعانيه من ضغوطات نفسية على طلبته، بل أن يخلص في عمله ويبذل قصارى جهده لفهم خصائصهم النمائية ومساعدتهم على تعلمٍ يمتد أثره مدى الحياة ويرتبط بواقعهم وحياتهم اليومية.
وأكد التربوي سفيان الزويري أن المدرسة ينبغي أن تكون بيئة آمنة وداعمة ومحفزة للطلبة، من خلال تعزيز شعورهم بالأمان والراحة، ودعم نموهم النفسي والأكاديمي والاجتماعي، إلى جانب الوقوف على أسباب ومعززات البيئة غير الصحية ومعالجتها بصورة تربوية فاعلة.
وأوضح الزويري أن من أبرز أسباب جعل المدرسة بيئة صحية وداعمة، دعم العلاقات الإيجابية بين الطلبة أنفسهم وداخل مجتمع المدرسة بشكل عام، عبر ترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل وتعزيز الاتصال الفعّال بينهم، مع التركيز على ضرورة توفير الأمان الجسدي والنفسي للطلبة، ومنع العنف والتنمر من خلال تفعيل منظومة المساءلة والرقابة.
وأشار إلى أن من المعززات تقديم الدعم الأكاديمي والتعليمي، من خلال إعطاء الدروس الإضافية، وتوجيه طاقات الطلبة نحو النشاطات الإيجابية التي تسهم في تنمية شخصياتهم ومهاراتهم.
وبين الزويري أن التعاون مع أولياء الأمور يشكل ركيزة أساسية في دعم البيئة المدرسية، وذلك من خلال عقد الاجتماعات الدورية لتحديثهم بالمستجدات، وإشراكهم في الأنشطة المدرسية، بما يسهم في سد الثغرات وتعزيز الشراكة الحقيقية بين الأسرة والمدرسة.
وأضاف أن تطوير المعلمين مهنيا يعد عنصرا محوريا في بناء بيئة مدرسية صحية، مؤكدا أهمية تدريبهم على أساليب التعامل التربوي السليم مع الطلبة.
في ذات الاطار قال الاختصاصي في علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي إن تعزيز الصحة النفسية لدى الطلبة داخل المدارس يبدأ بتوفير بيئة تعليمية آمنة ومستقرة، خالية من الخوف، تقوم على بث الطاقة الإيجابية بصورة مستمرة، وتشجيع الطلبة على التفاعل داخل الحصة المدرسية، ومنحهم الفرصة للتعبير عن آرائهم والإجابة عن استفساراتهم.
وأكد أهمية احترام الطلبة وعدم التقليل من شأنهم أمام أقرانهم، والابتعاد عن مظاهر التنمر التي قد تصدر من بعض الطلبة، لما لها من آثار سلبية على ثقتهم بأنفسهم وتحصيلهم الدراسي.
وأشار إلى ضرورة ترسيخ ثقافة العمل التطوعي داخل المدرسة، وتعزيز التواصل الفاعل مع الأهل والأسر.
وشدد الخزاعي على أهمية التواصل المباشر مع الطلبة لتوضيح السلوكيات السلبية وتصويبها، إلى جانب تكريم المتفوقين بما يعزز الدافعية ويحفّز بيئة تنافسية إيجابية داخل المدرسة.
ونشرت وزارة التربية والتعليم قسم الارشاد التربوي على موقعها الالكتروني "أن العملية التربوية والتعليمية ليست مجرد نقل المعلومات والمعارف العلمية، بل هي تعنى بنمو شخصية الطالب وتكاملها من كل جوانبها وأبعادها فان خدمات الإرشاد التربوي في المدرسة تأتي متممة ومكملة للعملية التربوية والتعليمية وجزءاً هاما لا يتجزأ منها حيث يعنى ويسهم في تنمية شخصية الطالب من كل أبعادها".