شراكة استراتيجية لمواجهة التحديات الإقليمية وتحفيز النمو الاقتصادي
الصناعات الوطنية الغذائية والهندسية والدفاعية تستفيد من السوق البريطانية
مشاريع مستقبلية تدعم الاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة والأمن السيبراني
السياسة الخارجية الأردنية تتحول إلى رافعة اقتصادية واستثمارية مستدامة
أكد خبراء اقتصاديون عمق العلاقات مع المملكة المتحدة في المجالات المختلفة، لافتين إلى أن اجتماعات جلالة الملك في لندن تؤكد حرص جلالته على تعزيز الشراكات مع الدول والتكتلات العالمية بما ينسجم مع المصلحة الوطنية العليا، لا سيما في المجالات السياسية والاقتصادية.
وأشار الخبراء، في أحاديث لـ«الرأي»، إلى أن لقاء جلالة الملك عبدالله الثاني مع رئيس الوزراء البريطاني في لندن، بحضور سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، يحمل أبعادًا سياسية واقتصادية مهمة للأردن، ويعكس استمرارية الشراكة الاستراتيجية بين الأردن والمملكة المتحدة، خاصة في ظل الظروف الإقليمية الراهنة.
والتقى جلالة الملك، الاثنين، رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر في لندن، بحضور سمو ولي العهد.
وأكد جلالته، خلال اللقاء الذي عُقد في مقر الحكومة البريطانية، عمق العلاقات الأردنية–البريطانية والحرص على توطيد التعاون في مختلف القطاعات، لا سيما الاقتصادية والاستثمارية والتكنولوجية.
ولفت جلالته إلى أهمية تعزيز العمل المشترك في المجالات الدفاعية والعسكرية، بما يخدم المصالح المشتركة ويحقق الاستقرار الإقليمي، مثمنًا استضافة المملكة المتحدة لجولة جديدة من اجتماعات العقبة أمس الثلاثاء.
وأشار جلالته إلى الدور المحوري لبريطانيا في العمل على إنهاء الصراعات الإقليمية وتحقيق السلام العادل والشامل على أساس حل الدولتين.
وبالحديث عن التطورات في المنطقة، أعاد جلالة الملك التأكيد على موقف الأردن الرافض للإجراءات الإسرائيلية التي تهدف إلى ترسيخ الاستيطان وفرض السيادة على الضفة الغربية.
وبخصوص غزة، أكد جلالته ضرورة ضمان تنفيذ اتفاق إنهاء الحرب، وتدفق المساعدات الإغاثية إلى جميع مناطق القطاع للحد من معاناة المدنيين.
كما شدد جلالة الملك، خلال اللقاء، على أهمية دعم جهود سوريا في الحفاظ على أمنها واستقرارها وسيادتها.
من جانبه، أكد رئيس الوزراء البريطاني أهمية الشراكة بين الأردن وبريطانيا في العمل نحو الاستقرار في المنطقة، معربًا عن حرص بلاده على توطيد العلاقات الثنائية في شتى المجالات.
وأكد المهندس فارس حموده عمق العلاقات مع المملكة المتحدة في المجالات المختلفة، مبينًا أن اجتماعات جلالة الملك في لندن تعكس حرص جلالته على تعزيز الشراكات مع الدول والتكتلات العالمية بما ينسجم مع المصلحة الوطنية العليا، خصوصًا في الجانبين السياسي والاقتصادي.
وشدد على أهمية العلاقات التجارية مع المملكة المتحدة، موضحًا أن اتفاقية التجارة الحرة الموقعة معها تُعد بديلًا لاتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وتسهم في تعزيز الصادرات وتسهيل التبادل التجاري بين البلدين، حيث تتوافر فرص مهمة أمام العديد من القطاعات الزراعية والصناعية الأردنية للاستفادة من التصدير إلى السوق البريطانية.
وبيّن حموده أن العديد من المنتجات الأردنية تمتلك ميزة تنافسية في الأسواق البريطانية، خاصة الصناعات الغذائية والخضار والفواكه وصناعات الألبسة، لا سيما في ظل وجود جالية عربية وإسلامية كبيرة في المملكة المتحدة. كما أشار إلى فرصة واضحة للصناعات الهندسية والدفاعية، خصوصًا مع وجود المركز الأردني للتصميم والتطوير.
كما شدد على ضرورة الاستفادة من خبرة المملكة المتحدة في المجالات التكنولوجية، والبناء عليها في المشاريع المستقبلية التي تنفذها المؤسسات الوطنية الأردنية، بما يسهم في رفع كفاءة الموارد البشرية العاملة في مختلف القطاعات الاقتصادية.
وأشار الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إلى أن لقاء جلالة الملك مع رئيس الوزراء البريطاني يحمل أبعادًا سياسية واقتصادية مهمة، ويعكس استمرارية الشراكة الاستراتيجية بين الأردن والمملكة المتحدة، خاصة في ظل الظروف الإقليمية الراهنة.
وأضاف أن للقاء أبعادًا سياسية تتصل بتعزيز التنسيق حول الاستقرار الإقليمي، في ظل تأكيد الجانبين أهمية الشراكة في دعم الاستقرار، مع تركيز خاص على غزة والضفة الغربية.
ولفت إلى أن جلالة الملك شدد على ضرورة تنفيذ اتفاق إنهاء الحرب في غزة وضمان تدفق المساعدات الإنسانية بشكل كافٍ ومستدام، وهو موقف يجد صدى لدى بريطانيا التي أكدت أهمية المساعدات الإنسانية للقطاع.
وأضاف أن اللقاء يعزز دور الأردن كشريك موثوق في جهود وقف التصعيد ودعم حل الدولتين، كما يعكس إبراز جلالة الملك أهمية دعم جهود سوريا في الحفاظ على أمنها واستقرارها وسيادتها، في ظل عضوية بريطانيا الدائمة في مجلس الأمن، ما يمنح الأردن غطاءً دبلوماسيًا أقوى في تنسيق المواقف الدولية تجاه دمشق.
وأشار مخامرة إلى أن تأكيد جلالة الملك دور بريطانيا في إنهاء الصراعات الإقليمية وتحقيق سلام عادل وشامل يعكس توقعًا أردنيًا بأن تكون لندن أكثر نشاطًا في الملفات الإقليمية.
وأضاف أن تناول اللقاء التعاون الدفاعي والأمني وأهمية الجهود المشتركة في المجالين الدفاعي والعسكري يعزز التنسيق الأمني، ويفتح الباب أمام مزيد من الدعم العسكري أو التدريبي أو المعلوماتي.
كما أشار إلى وجود أبعاد اقتصادية تتمثل في توطيد التعاون الاقتصادي والاستثماري، حيث أكد جلالة الملك الحرص على تعزيز التعاون في القطاعات الاقتصادية والاستثمارية والتكنولوجية.
وبيّن أن ذلك قد يترجم إلى زيادة الاستثمارات البريطانية في الأردن، خاصة في التكنولوجيا والطاقة المتجددة والتعليم والدفاع، أو توسيع اتفاقيات التجارة، أو دعم مشاريع تنموية تساعد الأردن في مواجهة التحديات الاقتصادية الناتجة عن الأزمات الإقليمية، مثل تدفق اللاجئين وارتفاع تكاليف الطاقة.
وذكر أن نتائج هذا اللقاء قد تنعكس دعمًا اقتصاديًا غير مباشر، إذ إن التقارب السياسي القوي يسهل الحصول على دعم بريطاني في المحافل الدولية، مثل البنك الدولي أو الاتحاد الأوروبي، لبرامج الإصلاح الاقتصادي الأردني أو تمويل المساعدات الإنسانية.
وقال الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور محمد الحدب إن لقاء جلالة الملك برئيس الوزراء البريطاني يرسخ منطقًا متقدمًا في إدارة السياسة الخارجية الأردنية، يقوم على تحويل الحضور السياسي والدور الإقليمي إلى رافعة اقتصادية واستثمارية مستدامة، بدلًا من الاكتفاء بإدارة الملفات السياسية بمعزل عن أثرها التنموي.
وأشار إلى أن التأكيد الملكي على توطيد التعاون الاقتصادي والاستثماري والتكنولوجي يعكس إدراكًا استراتيجيًا بأن استقرار السياسة لا يكتمل دون استدامة الاقتصاد، وأن المكانة السياسية للأردن ينبغي أن تُترجم إلى عوائد ملموسة على النمو وفرص العمل ونقل المعرفة.
ولفت إلى أن أحدث نشرات التجارة والاستثمار الصادرة عن وزارة الأعمال والتجارة البريطانية (شباط 2026) تُظهر أن إجمالي حجم التبادل التجاري في السلع والخدمات بين الأردن والمملكة المتحدة بلغ نحو 1.06 مليار دينار أردني خلال الأرباع الأربعة المنتهية بنهاية الربع الثالث من عام 2025، رغم تراجعه بنحو 11% مقارنة بالفترة المقابلة من عام 2024.
وبيّن أن صادرات بريطانيا إلى الأردن بلغت نحو 730 مليون دينار، مقابل واردات من الأردن بقيمة تقارب 291 مليون دينار.
وأضاف أنه على صعيد الاستثمار الأجنبي المباشر، بلغ رصيد الاستثمارات البريطانية المتراكمة في الأردن نحو 6.18 مليار دينار بنهاية عام 2024، فيما ارتفع رصيد الاستثمارات الأردنية في بريطانيا إلى قرابة 1.16 مليار دينار، مسجلًا نموًا سنويًا تجاوز 25%.
وأكد أن الشراكات الدولية لم تعد تُقاس بكثافة اللقاءات، بل بقدرتها على خفض كلفة المخاطر على الاقتصاد الوطني، مشيرًا إلى أن الدور الأردني في دعم الاستقرار الإقليمي يشكل استثمارًا غير مباشر في بيئة أعمال أكثر استقرارًا، ويقلص علاوة المخاطر التي يضعها المستثمر على الاقتصادات المحيطة بمناطق النزاع.
وأشار إلى أن توسيع التعاون في المجالات التكنولوجية يعكس توجهًا لإعادة تموضع الأردن ضمن سلاسل القيمة الجديدة في الاقتصاد الرقمي والصناعات المتقدمة والأمن السيبراني والطاقة النظيفة.
ونوّه إلى أن إدراج التعاون الدفاعي والعسكري ضمن حزمة التعاون الثنائي يحمل دلالات اقتصادية، إذ يمكن أن يشكل مدخلًا لتوطين صناعات ذات قيمة مضافة أعلى ونقل معرفة تقنية وخلق فرص عمل نوعية، إذا ما أُدير ضمن رؤية صناعية واضحة ترتبط بأهداف رؤية التحديث الاقتصادي.
وختم بأن المرحلة المقبلة تمثل فرصة لتعظيم الأثر الاقتصادي لهذا الزخم السياسي عبر مشاريع استثمارية مشتركة وبرامج نقل تكنولوجيا وشراكات تدريب وتأهيل، بما يعزز دور الدبلوماسية الاقتصادية كرافعة تنموية داعمة للنمو والتشغيل ونقل المعرفة.