سوق العمل في زمن التحول… هل نخشى الذكاء الاصطناعي أم نعيد اكتشاف أنفسنا؟

تاريخ النشر : الثلاثاء 10:59 17-2-2026
د. احمد زهير ارجوب

لم تعد التحولات التي يشهدها العالم اليوم ترفاً فكرياً يُناقَش في المؤتمرات، ولا توقعات بعيدة تُدرج في تقارير مستقبلية، بل أصبحت واقعاً يلامس تفاصيل الحياة اليومية. والذكاء الاصطناعي، الذي كان حتى وقت قريب مفهوماً تقنياً متخصصاً، تحوّل إلى عنصر فاعل في الاقتصاد، والإدارة، والتعليم، والإعلام، بل وحتى في تشكيل أنماط التفكير. ومع هذا الحضور المتسارع، يتقدّم سؤال واحد إلى الواجهة: ماذا سيحدث لوظائفنا؟

القلق مفهوم، بل ومشروع. فالتاريخ يخبرنا أن كل ثورة صناعية أزاحت أنماطاً من العمل وولّدت أخرى. إلا أن الفارق اليوم يكمن في سرعة التغيير واتساعه. الوظائف القائمة على التكرار والأنماط الثابتة وإدخال البيانات، والمعالجة المحاسبية الأولية، والردود التقليدية في خدمة العملاء، وبعض أشكال التحرير الإعلامي الروتيني باتت عرضة لإعادة الهيكلة. ليس لأن الإنسان لم يعد قادراً عليها، بل لأن الآلة أصبحت أسرع وأقل كلفة في أدائها.

غير أن الصورة لا تكتمل عند هذا الحد، فالذكاء الاصطناعي لا يلغي العمل بقدر ما يعيد تعريفه، فكل وظيفة يُستبدل بها نمط آلي، تقابلها حاجة متزايدة لوظائف جديدة، مثل: مطوّري الأنظمة، محللي البيانات، خبراء الأمن السيبراني، مختصي أخلاقيات التقنية، ومديري التحول الرقمي. وإلى جانب هذه المهن التقنية البحتة، تظهر فئة ثالثة من الوظائف الهجينة التي تجمع بين الإنسان والتقنية؛ الطبيب الذي يستعين بتحليل البيانات، الصحفي الذي يوظّف أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث والتحقق، المعلم الذي يستخدم المنصات الذكية لتخصيص التعلم.

المعادلة هنا ليست صراعاً بين الإنسان والآلة، بل إعادة توزيع للأدوار. فالآلة تتفوق في الحساب، والتنبؤ، والمعالجة السريعة، لكن الإنسان يحتفظ بما هو أعمق: الحدس، الحكم الأخلاقي، الإبداع، القدرة على قراءة السياق الاجتماعي والثقافي. ومن هنا، فإن مستقبل سوق العمل لن يُبنى على المهارات التقنية وحدها، بل على مزيج متوازن بين الكفاءة الرقمية والقدرة الإنسانية على التفكير النقدي واتخاذ القرار.

في السياق الأردني، تبدو المسألة أكثر حساسية وأهمية، فالأردن، الذي طالما اعتمد على رأس المال البشري بوصفه المورد الأهم، أمام فرصة لتحويل التحول الرقمي إلى رافعة تنموية حقيقية. الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتحديث منظومة التعليم، وربط الجامعات بسوق العمل، ودعم ريادة الأعمال التقنية، ليست خيارات تجميلية، بل شروط أساسية لضمان أن يكون الشباب في موقع الفاعل لا المتلقي.

المشهد الوطني في السنوات الأخيرة يعكس إدراكاً متزايداً بأن الاقتصاد المقبل هو اقتصاد المعرفة. التركيز على تمكين الشباب، وتعزيز المهارات التقنية، والانفتاح على الشراكات التكنولوجية، كلها مؤشرات على أن التحول ليس ردّة فعل، بل توجه استراتيجي طويل الأمد. فالدولة التي تهيئ بيئتها لاستقبال التكنولوجيا وتوطينها، هي ذاتها التي تخلق فرصاً جديدة بدلاً من أن تنتظر تقلّص الفرص التقليدية.

التحول الذي نشهده يفرض كذلك مراجعة عميقة لمفهوم الوظيفة ذاته. لم يعد المسار المهني خطاً مستقيماً يبدأ بتخصص جامعي وينتهي بتقاعد في المهنة ذاتها. بل أصبح التعلم المستمر ضرورة، وإعادة التأهيل خياراً متكرراً، والتنقل بين المجالات أمراً طبيعياً. في هذا الإطار، تصبح مرونة الفرد وقدرته على التكيف أهم من ثباته في موقع واحد.

ليس من الحكمة أن يُختزل النقاش في ثنائية "وظائف ستختفي" مقابل "وظائف ستولد". الأهم هو نوعية الفرص التي سنصنعها، ومدى جاهزية المجتمع لاقتناصها. فإذا أحسنّا إدارة التحول، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يرفع الإنتاجية، ويخلق قطاعات جديدة، ويمنح الشباب آفاقاً أوسع في مجالات لم تكن موجودة قبل عقد واحد. أما إذا اكتفينا بالمراقبة والانتظار، فسنجد أنفسنا أمام سوق عمل يتغير دون أن نكون جزءاً من صناعته.

الرهان الحقيقي، إذن، ليس على التقنية بحد ذاتها، بل على الإنسان. على قدرته على التعلم، وعلى استعداد المؤسسات لإعادة تصميم سياساتها التعليمية والاقتصادية بما يواكب المرحلة. فالذكاء الاصطناعي سيستمر في التقدم، سواء أعددنا له العدة أم لا. لكن شكل أثره علينا سيتحدد بمدى استعدادنا له.

وفي نهاية المطاف، لن يكون السؤال: من سيفوز: الإنسان أم الآلة؟ بل كيف يمكن للإنسان أن يجعل من الآلة امتداداً لقدراته، لا بديلاً عنها. هنا تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، وهنا يتقرر إن كان التحول فرصة تاريخية أم تحدياً مُربكاً. والأمم التي تدرك ذلك مبكراً، هي التي ستكتب فصلاً مختلفاً في قصة العمل والاقتصاد في القرن الحادي والعشرين.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }