موضوعٌ متجدد، ومطلبٌ متكرر، وهمٌّ وطنيٌّ وشخصيٌّ، وربما حلمٌ لن يتحقق مع الحاجة المستمرة وطبيعة ظروف المعيشة. ولكن ثمة العديد من الجوانب التي تتقاطع معًا لتشكّل مسيرة مساعدة الفقراء من خلال المبادرات، والتكايا، والصناديق، والتبرعات، والكثير من المحاولات على المستوى العام والخاص.
القضاء على الفقر غايةٌ صعبة، ولكن التخفيف من وطأته ممكن، وخطوات الخير في هذا المجال تزداد، وتتضافر الجهود من أجل المساعدة قدر الإمكان، وبما تسمح به التدفقات المالية والعينية من قدرةٍ شاملة في هذا المجال.
من خلال خبرةٍ قصيرة، يمكن ملاحظة ترابط الفقر بالمرض وظروفٍ أخرى عديدة، ولكن ثمة سلوكًا معينًا ينبغي التعامل معه بحذر، ويتمثل في اعتبار المساعدة حقًا مكتسبًا، واللجوء إلى الكسل والاتكال والانتظار بدل السعي والعمل وتحدي الصعوبات، والخروج من دائرة المساعدة إلى رحاب الاعتماد على الذات، لاحظتُ، أيضا وفي نماذج معينة، مرافقةَ الفقر للحاجة إلى التعليم، والبحث عن بدائل للحصول على دعمٍ شخصي لتوفير منحةٍ أو قرض (ما أمكن) لتجاوز وجود أكثر من فردٍ في الأسرة على مقاعد الدراسة الجامعية.
مع استقبال شهر الخير، يمكن متابعة الجهود الحثيثة من أجل مساعدة الفقراء من خلال حملات الطرود و"الكوبونات" وموائد الرحمن، واستضافة الأيتام، والعديد من المحاولات الطيبة والتطوعية في الوطن الحبيب، والتي تسعى بكل حرص إلى توفير الاحتياجات للأسر والحالات المتعففة على مدار العام.
نحتاج بحق إلى التحول من المساعدة (والتي باتت مكلفةً اقتصاديًا من خلال الصناديق والتكايا والجمعيات والوقفيات) إلى التمكين الجوهري، وتقليل عدد المستفيدين ليكونوا لاحقًا طرفًا مساعدًا لغيرهم. وكم عهدنا تجارب من العوز تحولت إلى قصص نجاح تغلبت على الصعاب.
الحث على الصدقات والزكاة والتبرع، ومن خلال القنوات الرسمية، أسلوبٌ لترسيخ ثقافة التكافل، وعبادةٌ صالحةٌ للمجتمع، وتهذيبٌ للنفس. ولعل من الحريّ بنا الابتعاد في شهر رمضان المبارك عن موائد الترف والبذخ التي تذهب ـ وللأسف ـ إلى النفايات وتُهدر.
اقتصاد الخير تخصصٌ معاصر لترشيد وضبط ما يُصرف ويُوزع ويُتبرع به، بل ويُخطط لما يمكن توظيفه؛ إذ إن الغني هو المستفيد من نتاج الخير، وليس الفقير، فهو المحتاج بصدق إلى طهارة النفس ونقاء القلب والشعور بالراحة.
تحصين المساعدة بحفظ الكرامة، وعدم التصوير، وأخلاقياتٍ خاصة لا تفرضها التعليمات والقوانين فحسب، بل إن احترام الحاجة يكمن في التخفيف من عبء المعيشة ودفع الأمل في النفوس.
ما زلت أذكر، ذات صيفٍ لاهب، منظرَ تلك السيدة العجوز التي كانت تنتظر لحوم الأضاحي القادمة من البعيد. أخذت حصتها واقتربت من شخصٍ (يبدو قصابًا) وباعته إياها. دفعني الفضول للتحدث إليها بلطف لمعرفة سبب فعلها، فأدركت بفطنتها ذلك وقالت: "يا بني، ليس عندي ثلاجة لحفظ اللحمة، بعتها لأستفيد من ثمنها أفضل". تركتها وما يزال السؤال في نفسي: هل ننجح في المساعدة، أم ما هي سوى محاولات لحلولٍ مؤقتة ومتكررة؟
العمل الخيري والتطوعي من أجل مساعدة الفقراء هدفٌ نبيل، وهناك جهات وجمعيات متخصصة في هذا الجانب قطعت شوطًا كبيرًا في حوكمة العمل، ولها قصص نجاح عظيمة. لا بد من توجيه التقدير والامتنان والعرفان لما تقوم به بشكلٍ مؤسسي في الخدمة العامة دون كللٍ أو ملل، وهي ـ والحمد لله ـ في بلدنا الحبيب عديدة ومنتشرة في جميع المحافظات.
لنتدبر بعمق معنى ومدلول ما ترشد إليه الآية (15) من سورة فاطر:
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ"؛
خطابٌ عامٌّ للجميع، ، فمن منا ليس فقيرا بهذا المعنى والخصوص؟