مخامرة: خطوة إصلاحية لضبط العلاقة مع الموردين ودعم النمو
الحدب: انتظام السداد يخفض «علاوة المخاطر» ويعزز بيئة الأعمال
دية: تسديد المتأخرات يرفع رأس المال التشغيلي وينشط الأسواق
أكد خبراء اقتصاديون أن قرار الحكومة بتسديد المتأخرات المتراكمة على الوزارات والمؤسسات الرسمية لصالح شركات الكهرباء والمياه والجامعات والموردين المحليين يرتبط بأكثر من بُعدٍ مالي مباشر؛ فهو في جوهره قرار لإدارة السيولة على مستوى الاقتصاد الوطني، وليس مجرد تسوية محاسبية لالتزامات سابقة.
ولفت الخبراء، في أحاديث لـ«الرأي»، إلى أن تسديد مستحقات مالية متأخرة منذ سنوات سينعكس بشكل إيجابي على حركة الأسواق وتعافي مستويات الطلب، حيث ستتمكن الشركات من تسديد التزاماتها ومصاريفها التشغيلية، من رواتب الموظفين وأثمان البضائع واقتطاعات الضمان وفواتير الطاقة والضرائب وغيرها.
وقرر مجلس الوزراء، في جلسته التي عقدها الأحد برئاسة رئيس الوزراء جعفر حسان، تسديد متأخرات بقيمة 125 مليون دينار لصالح عدد من الجهات؛ ليصبح مجموع المبالغ التي سددتها الحكومة خلال الأسابيع الماضية قرابة 275 مليون دينار، وذلك في إطار خطة الحكومة لتسديد المتأخرات المتراكمة منذ سنوات.
وتضمن القرار تسديد المتأخرات المتراكمة منذ خمس سنوات على الوزارات والمؤسسات الحكومية والرسمية لصالح شركات توزيع الكهرباء، والبالغ مجموعها قرابة 60 مليون دينار.
كما تضمن تسديد المتأخرات المترتبة على شركة مياه اليرموك بقيمة 10 ملايين دينار، وعلى سلطة المياه بقيمة 25 مليون دينار، وذلك لصالح شركات توزيع الكهرباء، مع التزام السلطة بدفع الفواتير المستحقة عليها وفق دفعات شهرية.
وقرر المجلس كذلك تسديد متأخرات متراكمة منذ سنوات بقيمة 30 مليون دينار لصالح المطابع المكلفة بطباعة الكتب والمناهج الدراسية لوزارة التربية والتعليم.
وكان مجلس الوزراء قد قرر الأسبوع الماضي تسديد مستحقات ومتأخرات للجامعات الحكومية تتجاوز قيمتها 100 مليون دينار، وسبق ذلك تسديد مديونية مستشفى الملك المؤسس عبدالله الجامعي بقيمة 40 مليون دينار، ومستشفى الجامعة الأردنية بقيمة 10 ملايين دينار.
وأشار الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إلى أن قرار الحكومة الأردنية بتسديد متأخرات مالية بقيمة 125 مليون دينار، ليرتفع إجمالي ما تم تسديده إلى نحو 275 مليون دينار خلال الأسابيع الأخيرة، يُعد خطوة إيجابية ضمن خطة أوسع لتسوية الديون المتراكمة على الجهات الحكومية، خاصة في قطاعات حيوية مثل الكهرباء والمياه والتعليم والصحة.
وأضاف أن هذا القرار يُسهم مباشرة في تعزيز السيولة النقدية لدى الجهات المستفيدة، ما يسمح لها بتحسين أدائها المالي والتشغيلي. فشركات توزيع الكهرباء التي تم تسديد نحو 60 مليون دينار لها من الدفعة الأخيرة، إضافة إلى المتأخرات على سلطة المياه وشركة مياه اليرموك، كانت تعاني من تراكم ديون حكومية منذ سنوات، ما حدّ من قدرتها على الصيانة والاستثمار.
كما أن هذا التسديد سيوفر سيولة فورية تساعد على تقليل الخسائر وتحسين الكفاءة واستقرار التعرفة الكهربائية، مع التزام الجهات الحكومية بدفع الفواتير المستقبلية بانتظام.
ولفت إلى أن قطاع المياه تم تسديد 35 مليون دينار له (25 مليونًا لسلطة المياه و10 ملايين لمياه اليرموك)، وكان يعاني من خسائر مزمنة بسبب الديون المتبادلة؛ وبالتالي فإن السيولة الجديدة تدعم سداد المستحقات وتحسين إدارة الموارد، ما يقلل الضغط على الموازنة العامة على المدى الطويل.
وأضاف أنه في قطاع الجامعات والمستشفيات الحكومية تم تسديد أكثر من 150 مليون دينار، ما يساعد في دفع الرواتب وتحسين الخدمات وتجنب تراكم ديون جديدة، ويعزز جودة التعليم العالي والرعاية الصحية.
كما أشار مخامرة إلى أن القرار يُعد محفزًا للاقتصاد الوطني لعدة أسباب، من أهمها ضخ سيولة في الأسواق المحلية، إذ إن سداد المتأخرات يضخ مئات الملايين في الدورة الاقتصادية، ما يزيد الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري، ويحفز النشاط في القطاعات المرتبطة مثل المقاولات والتوريدات.
كما يسهم في تعزيز الثقة بالحكومة، ويقلل من المخاطر المالية المتراكمة، ويحسن سمعتها الائتمانية، ويشجع على استثمارات جديدة، خاصة في ظل نمو اقتصادي متوقع يتجاوز 2.7–3% في عام 2026.
وأضاف أنه يسهم كذلك في دعم النمو المستدام من خلال تحسين أداء قطاعات حيوية مثل الطاقة والمياه، ويساعد في استقرار الأسعار وتقليل الضغوط التضخمية، ما يدعم برامج الإصلاح المرتبطة بصندوق النقد الدولي.
وذكر أن القرار قد يضع ضغطًا مؤقتًا على الموازنة الحكومية إذا لم يُقابل بإيرادات إضافية، مثل نمو الضرائب أو المساعدات، لكنه جزء من خطة مدروسة على عدة سنوات، ويُعد استثمارًا في الاستقرار الاقتصادي طويل الأمد.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور محمد الحدب إن قرار الحكومة بتسديد المتأخرات المتراكمة على الوزارات والمؤسسات الرسمية لصالح شركات الكهرباء والمياه والجامعات والموردين المحليين يرتبط بأكثر من بُعدٍ مالي مباشر؛ فهو في جوهره قرار لإدارة السيولة على مستوى الاقتصاد الوطني، وليس مجرد تسوية محاسبية لالتزامات سابقة.
وأشار إلى أنه، ومن منظور السياسات العامة، فإن تراكم المتأخرات عبر سنوات يخلق ضريبة غير معلنة على القطاع الخاص والقطاع الخدمي، إذ يرفع كلفة التمويل على الشركات المتعاقدة مع الحكومة، ويجبرها على تسعير مشاريعها المستقبلية بعلاوة مخاطر أعلى أو تأجيل الصيانة والاستثمار، ما ينعكس في النهاية على جودة الخدمة المقدمة للمواطن وكلفة المشروع على الخزينة.
ولفت إلى أن سداد نحو 275 مليون دينار خلال أسابيع لا ينعكس فقط على موازنات الجهات الدائنة، بل يحرّك سيولة راكدة في السوق، ويخفض فجوة الثقة بين الحكومة والموردين، ويعيد ضبط علاقة تعاقدية أكثر استدامة بين القطاعين العام والخاص.
ونوه اقتصاديًا إلى أن ضخ هذا الحجم من السيولة في قطاعات تشغيلية (كالكهرباء والمياه والطباعة والخدمات الجامعية) يحمل أثرًا مضاعفًا قصير الأمد على النشاط الاقتصادي المحلي، من خلال تمكين الجهات المستفيدة من سداد التزاماتها التشغيلية، والحفاظ على استمرارية سلاسل التوريد، وتفادي تراكم ديون ثانوية قد تنتقل آثارها إلى العمالة والاستثمار والصيانة.
وأضاف أن انتظام السداد يقلل تدريجيًا كلفة التعثر غير المباشرة على المالية العامة، لأن المشاريع المستقبلية ستُسعَّر بمخاطر أقل، ما ينعكس وفورات غير مرئية في كلفة التعاقد الحكومي على المدى المتوسط.
لكنه أكد أن الأثر الإيجابي المستدام لهذا القرار يتطلب الانتقال من إدارة أزمة متأخرات إلى حوكمة دائمة للتدفقات النقدية الحكومية. فنجاح السياسات العامة لا يُقاس فقط بحجم ما تم تسديده، بل بقدرة النظام المالي الحكومي على منع إعادة تراكم المتأخرات مستقبلًا عبر آليات تخطيط نقدي متعددة السنوات، وربط الالتزامات التعاقدية بجداول دفع مضمونة، وتحسين انضباط الصرف لدى الجهات المنفذة.
وشدد على أن القضية ليست مالية بحتة، بل مؤسسية في جوهرها؛ فكلما زادت قابلية التنبؤ في سداد الحكومة، تحسنت بيئة الأعمال، وانخفضت علاوة المخاطر على التعاقدات العامة، وتعززت ثقة المستثمر المحلي في التعامل مع الدولة كمشترٍ منضبط وموثوق.
وأشار إلى أن قرار سداد المتأخرات يمكن قراءته كخطوة تصحيحية مهمة في مسار إصلاح أوسع لإدارة الالتزامات الحكومية، شريطة أن يُستكمل ببنية سياسات تمنع عودة المشكلة بصيغ جديدة؛ فالمكسب الحقيقي ليس في تسديد ديون الأمس فقط، بل في خفض كلفة ديون الغد غير المرئية على الاقتصاد الوطني.
بدوره، قال الخبير الاقتصادي منير دية إن القرارات الحكومية المتوالية بشأن تسديد متأخرات متراكمة منذ سنوات على الوزارات والمؤسسات الحكومية لصالح العديد من الجهات والقطاعات الاقتصادية من شأنها أن تضخ مزيدًا من السيولة النقدية في الأسواق المحلية، وترفع رأس المال التشغيلي لهذه الشركات، وتسهم في تحفيز الأسواق ورفع وتيرة الطلب.
ولفت إلى أن تسديد ما يقرب من 275 مليون دينار خلال أسابيع سيعزز الثقة بنهج الحكومة الحالية وقدرتها على تنفيذ تعهداتها، ما يسهم في تعافي العديد من القطاعات الاقتصادية وقدرتها على المساهمة بفاعلية في زيادة النمو الاقتصادي ورفع معدلات التشغيل وتوسيع نطاق أعمالها وزيادة حجم استثماراتها المحلية.
وأشار إلى أن تسديد مستحقات مالية متأخرة منذ سنوات سينعكس إيجابًا على حركة الأسواق وتعافي مستويات الطلب، حيث ستتمكن الشركات من تسديد التزاماتها ومصاريفها التشغيلية من رواتب الموظفين وأثمان البضائع واقتطاعات الضمان وفواتير الطاقة والضرائب وغيرها.
وأضاف أن ذلك سيسهم في قدرة الجهات التي حصلت على مستحقاتها على الاستمرار في تقديم خدماتها للجهات الحكومية وتوريد السلع في وقتها دون تأخير، وهو ما سينعكس على واقع الاقتصاد الكلي وزيادة زخم المؤشرات الإيجابية التي بدأت تظهر منذ منتصف العام الماضي وحتى الآن، سواء بارتفاع معدلات النمو الاقتصادي التي تجاوزت 2.9%، أو زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي بأكثر من 27%، وارتفاع الصادرات الوطنية بأكثر من 9%، وزيادة الدخل السياحي وتحويلات المغتربين وارتفاع قيمة الاحتياطيات الأجنبية.
وأكد أن صرف هذه المستحقات خلال فترة زمنية قصيرة يزيد الثقة بالاقتصاد الأردني، ويعزز عمل القطاعات الإنتاجية والخدمية، ويسهم في استمرار تقديم الخدمات للمواطنين، خاصة في قطاعات التعليم والصحة والطاقة وغيرها من القطاعات الحيوية.