مقدادي: تعزيز الوعي بكيفية الاستخدام الآمن والمسؤول
سكري: نحتاج تشريعاً جديداً لحماية الطفل رقمياً
يمسك بيديه الصغيرتين هاتفه المحمول، ينحني نحو الشاشة، ويتنقل بين التطبيقات بخفة اعتادها يوميا، يبدأ بلعبته المفضلة على «روبلوكس»، لكن خاصية الدردشة محظورة، فينتقل مع أصدقائه إلى «إنستغرام» للتحدث.
أثناء اللعب، يسأل صديقه، الذي يعيش في دولة أوروبية: كيف تستخدم منصات التواصل الاجتماعي رغم أنها محظورة عليك؟ وكيف تجاوزت شرط العمر؟ يجيبه دون تردد: «عندما طلبوا إثبات العمر.. صورت هوية والدتي».
تنتهي جولة اللعب، يغلق المحادثة، ويفتح تطبيق «تيك توك» عبر «VPN»، يشاهد المقاطع القصيرة واحدا تلو الآخر، دون أن يدرك أن ما يفعله بات محور نقاش عالمي، وموضوع تشريعات تتسارع من قارة إلى أخرى.
وكانت دراسة نشرتها «إنقاذ الطفل الأردن» حول السلامة الرقمية للأطفال واليافعين في 2024، أظهرت أن 15.8% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و17 عاما تعرضوا لأحد أشكال الإساءة الرقمية، حيث برزت تحديات مثل التنمر الإلكتروني، وقرصنة الحسابات، والابتزاز، والتحرش الإلكتروني.
كما كشفت الدراسة عن فجوة لافتة في وعي الأسر؛ إذ لم يكن 75% من أولياء الأمور على دراية بتعرض أبنائهم لإساءة عبر الإنترنت، فيما يستخدم 9% فقط تطبيقات الرقابة الأبوية.
وتأتي هذه المؤشرات لتعزز أهمية قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة وطنية لحماية الأطفال واليافعين من المخاطر المرتبطة باستخدام منصات التواصل الاجتماعي والإنترنت، ضمن استراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى تنظيم البيئة الرقمية ورفع الوعي وتعزيز آليات الوقاية والاستجابة.
وستتولى اللجنة التنسيب بالإجراءات الضرورية، بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، ودراسة الخيارات التنظيمية والفنية الممكنة لتنظيم وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي، وتقييم النموذج الأنسب للتطبيق في المملكة من حيث الفعالية والكلفة والقابلية الفنية، بما ينسجم مع المنظومة القانونية الوطنية، إلى جانب وضع آليات تنفيذ عملية تشمل مزودي خدمات الإنترنت والمنصات ذات العلاقة ضمن مدة زمنية محددة.
التوجه الأردني يأتي في سياق دولي نحو تشديد القيود؛ إذ حظرت الدنمارك استخدام وسائل التواصل لمن هم دون 15 عاما، وأقرت أستراليا حظرا لمن هم دون 16 عاما، فيما أعلن رئيس وزراء النرويج عزمه رفع الحد الأدنى إلى 15 عاما، وسارت ماليزيا وفرنسا في الاتجاه ذاته بقرارات تمنع من هم دون 15 أو 16 عاما من إنشاء حسابات على المنصات الرقمية.
في هذا السياق، وصف أمين عام المجلس الوطني لشؤون الأسرة، الدكتور محمد مقدادي، تشكيل اللجنة بـ«الخطوة المهمة» تستحق التقدير، مؤكدا أن هذه القضية تتطلب تضافر جهود جميع الجهات المعنية.
وأضاف في تصريح لـالرأي أن حماية الأطفال عبر الإنترنت «ليست قضية قانونية فقط، ولا مسؤولية أسرية أو تربوية أو تعليمية فحسب، وإنما هي مسؤولية تشاركية تجمع القطاع العام والمؤسسات الوطنية والقطاع الخاص، بما في ذلك شركات الاتصالات». مشيرا إلى أن المخاطر التي يتعرض لها الأطفال، من ابتزاز واستغلال وتنمر عبر الفضاء الرقمي، تستدعي تكاتف الجميع لوضع إجراءات سليمة وفعالة.
وأكد أن البيئة التشريعية في الأردن مساندة لجهود الحماية، مستذكرا ما نص عليه قانون حقوق الطفل الصادر عام 2022، لا سيما المادة (8) التي تلزم الجهات المختصة بتبني السياسات والإجراءات التي تحول دون تعرض الأطفال للاستغلال بأية وسيلة كانت. ولفت إلى أن من واجب اللجنة الوطنية وضع إجراءات عملية تفعل هذه المادة، إلى جانب متابعة مدى نجاعة تلك الإجراءات على أرض الواقع.
وشدد على أن الهدف ليس تخويف الأسر أو الأطفال من استخدام الإنترنت أو منصات التواصل الاجتماعي، بل تعزيز الوعي بكيفية الاستخدام الآمن والمسؤول، مؤكدا أن للأسرة والمؤسسة التربوية دورا أساسيا في بناء هذا الوعي.
وأشار مقدادي إلى أهمية تنظيم الوقت الذي يقضيه الأطفال على هذه المنصات، ورفع وعيهم بطبيعة الممارسات التي قد تكون مجرمة قانونا، سواء تلك التي قد يرتكبونها دون إدراك، أو التي قد يتعرضون لها من الآخرين.
وبين أن منظومة الاستجابة في الأردن متقدمة، من خلال إدارة البحث الجنائي ووحدة الجرائم الإلكترونية في مديرية الأمن العام، إضافة إلى وحدة الدعم الفني في إدارة حماية الأسرة والأحداث، المعنية بجرائم الاستغلال والاعتداءات الجنسية عبر الإنترنت.
واختتم بالقول: «لدينا استجابة جيدة، لكننا بحاجة دائمة إلى التركيز على الوقاية، فالوقاية تتطلب وعيا أكبر من جميع الأطراف التي تتعامل مع الأطفال، ومن الأطفال أنفسهم، حتى نتمكن من خلق بيئة رقمية أكثر أمانا لهم».
من جانبها، ترى مستشارة في مركز العدل للمساعدة القانونية، المحامية سهاد سكري، أن الأردن بحاجة إلى تشريع جديد ومفصل يضمن حماية واضحة للأطفال في البيئة الرقمية، بحيث يتواكب مع المعايير الدولية وتوصيات لجنة حقوق الطفل.
وذكرت في تصريح لـ $ أنه على الرغم من وجود إشارات للحماية في قوانين الحماية من المحتوى المسيء وقانون الجرائم الإلكترونية وقانون حقوق الطفل، إلا أنها تعتبر غير كافية حاليا.
وترى أنه يجب الاتجاه نحو فلسفة الحماية بأن تكون «التمكين لا التقييد»، مؤكدة هنا أن المنع الكامل والتقييد ليس حلا مثاليا، بل قد يكون «خطا أحمر» لا يجب تجاوزه في السياسات التنظيمية.
وتابعت «الأطفال يمتلكون المهارة لتجاوز الحجب (عبر الـ VPN مثلا)، لذا فإن التركيز يجب أن ينصب على الوقاية، التوعية، والتمكين لاستخدام البيئة الرقمية بطريقة إيجابية».
وأشارت إلى وجوب موازنة الحق في الحماية مع الحق في الوصول إلى التكنولوجيا، وهو درس مستفاد من جائحة كورونا التي أظهرت فجوة في وصول الأطفال للأدوات الرقمية.
وأوضحت سكري أن هناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الأهل في المتابعة والتوجيه لا «الرقابة الخانقة». مشددة هنا على وجود حاجة ماسة لتدريب وتأهيل الأسر على آليات التربية الوالدية المناسبة في العصر الرقمي، وتعريفهم بكيفية تتبع المحتوى الذي يصل إليه أطفالهم بطرق آمنة.
وشددت على ضرورة تفعيل حق الطفل في التبليغ المباشر عن الإساءة وتراه «أمرا جوهريا». لافتة إلى أنه في بعض الممارسات الحالية، يرفض استقبال البلاغات إلا بوجود ولي أمر، وهو ما قد يشكل عائقا إذا كان الطفل خائفا من أسرته.
واختتمت تصريحها «ضرورة تفعيل المادة 12 من قانون الأحداث التي تتيح استقبال البلاغات من الحدث نفسه، مع ضرورة التعامل مع الخطورة فورا قبل إشراك الأسرة لضمان أمن الطفل».