الملك شيّد قواعد الدّولة المدنيّة العصريّة الحديثة

تاريخ النشر : الأربعاء 11:46 11-2-2026

تطرّق جلالة الملك عبدالله الثّاني في الورقة الملكيّة النّقاشيّة السّادسة، والّتي طرحها للنّقاش العامّ قبل بضع سنواتٍ، إلى أنّ تطبيق وإنفاذ أحكام القانون على جميع المواطنين سواءً بسواءٍ -وبغضّ النّظر عن أصولهم أو منابتهم أو انتماءاتهم الفكريّة أو توجّهاتهم السّياسيّة- هو عماد الدّولة المدنيّة العصريّة الحديثة الّتي نتطلّع جميعاً إلى الوصول إليها.

وحتّى يومنا هذا، ظلّت جدليّة مفهوم الدّولة الّتي نريد، أكانت مدنيّةً أم إسلاميّةً، مفتوحةً على تساؤلاتٍ وإجاباتٍ متفاوتةٍ؛ فهما ليستا مترادفتين، وفي ظلّ انتفاء التّرادف بينهما، ينبغي وضع النّقاط على الحروف لاستبيان مدى اتّفاقها أو اختلافها مع مبادئ الشّريعة الإسلاميّة الغرّاء. وقد يكون من الضّروريّ أن ننبّه -قبل هذا- على أنّ جاهليّة البعض في فهم حقيقة هدي وتعاليم هذا الدّين الحنيف، وعدم مقدرتهم على استلهام مقاصده ومراميه الصّحيحة، قد يدفعهم إلى الاعتقاد -الخاطئ- بأنّ القيم والمبادئ الّتي تقوم عليها الدّولة المدنيّة الحديثة تتعارض -كلّياً أو جزئيّاً- مع ثوابت الشّريعة الإسلاميّة السّمحة، أو تخالف أحكامها ونصوصها الغرّاء.

غير أنّ العكس هو الصّحيح؛ ذلك أنّ الدّولة المدنيّة ليست نقيضاً للدّولة الإسلاميّة بأيّ شكلٍ من الأشكال، وإنّما هي تؤسّس لها وتتّفق معها، ومردّ ذلك أنّ المعايير الّتي تقوم عليها الدّولة المدنيّة متوافرةٌ في نظرة الإسلام للدّولة، إلّا أنّ الفرق بينهما هو أنّ الدّولة المدنيّة لا تخلط الدّين بالسّياسة، وفي الوقت ذاته هي تحترم الدّين وتضمن حرّيّة العبادة، أمّا الدّولة الإسلاميّة فهي تستمدّ تشريعاتها من أحكام الشّريعة الإسلاميّة.

وما دمنا ندور في فلك الحديث عن الدّولة المدنيّة، فإنّني أستحضر "ميثاق صحيفة المدينة" أو ما اصطلح عامّة الفقهاء على تسميته بـ"دستور المدينة"، وهو أوّل دستورٍ مدنيٍّ في تاريخ الدّولة الإسلاميّة، وحينذاك تمّت صياغته في (يثرب) وذلك حال هجرة النّبيّ محمّدٍ -صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه- من مكّة المكرّمة إلى يثرب، الّتي سمّيت لاحقاً بالمدينة المنوّرة؛ وذلك من أجل تأسيس دولةٍ إسلاميّةٍ راسخة القواعد وطيدة الأركان، ليرسم معالم وأسس الدّولة منذ ذلك الحين.

ومن أهمّ بنود هذه الوثيقة أنّ كلّ أفراد المسلمين أمّةٌ واحدةٌ، إذا كانوا من الأنصار -أهل المدينة المنوّرة- أم من المهاجرين -وهم أهل مكّة المكرّمة- الّذين لا فرق بينهم على الإطلاق. كما أقرّت الوثيقة أنّ على كلّ المؤمنين واجب الدّفاع عن المستضعفين والوقوف بحزمٍ أمام كلّ الطّغاة، وأكّدت على مبدأ التّكافل الاجتماعيّ بين كلّ المؤمنين، وأن لا تفريق بين أيٍّ من المسلمين، وينبغي على كلّ قويٍّ أن يعين الضّعيف ويغيث المحتاج، وأقرّت بحماية أهل الذّمّة والأقلّيّات غير المسلمة، وإلى ما شاكل ذلك، وأنّ أهمّ ما يميّز هذه الوثيقة أنّها نظّمت أسس العلاقة بين جميع الطّوائف والجماعات الّتي تعيش في كنف هذه الدّولة، وتعتبر هذه الوثيقة في نظر الكثيرين أنّها أوّل دستورٍ مدنيٍّ عرفته البشريّة منذ بدء الخليقة.

ومن تمام هذا الموضوع لفت الانتباه إلى أنّ جوهر الدّولة المدنيّة الّتي تطرّق إليها جلالة الملك هي تلك الدّولة الّتي تلتزم حرفيّاً بتطبيق الموادّ المنصوص عليها في الدّستور، ومناطٌ بها مسؤوليّة توفير المناخ الّذي يضمن الحقوق والواجبات، وسنّ الأنظمة والتّشريعات الرّامية إلى صون الحرّيّات العامّة وحماية حقوق الإنسان، وتكريس قيم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وسيادة القانون على الجميع دون تمييزٍ أو تفريقٍ أو محاباةٍ أو استثناءٍ لأيّ سببٍ كان، فالجميع أمام القانون سواسيةٌ، كما أنّ هذه الدّولة تقبل التّعدّديّة والرّأي والرّأي الآخر، وتؤمن أنّ لكلّ مواطنٍ حقوقاً دستوريّةً راسخةً تتكفّل الدّولة بصونها، وذلك من خلال تشكيل هيئةٍ قضائيّةٍ مستقلّةٍ عن باقي سلطات الدّولة، وينبغي أن تكون هذه الهيئة كفؤةً ونزيهةً، بحيث تنصف كلّ من تتعرّض حقوقه إلى الانتهاك أو التّعدّي أو الافتئات، وأنّ مبدأ سيادة القانون لا يترسّخ إلّا من خلال إرساء مبدأ المحاسبة والمساءلة للجميع، وبخاصّةٍ ممّن هم في مواقع المسؤوليّة، وهو أحد المقوّمات الّتي تعطي الدّولة القوّة وتمنحها المنعة، وبذلك يصبح المواطنون جميعاً متساوين أمام القانون.

وحريٌّ بنا في هذا السّياق الاستيعابيّ لفهم جوهر الدّولة المدنيّة الّتي تطرّق إليها جلالة الملك لفت الانتباه إلى أنّ الدّولة المدنيّة من المنظور الملكيّ، هي تلك الدّولة الّتي تحتكم إلى نصوص الدّستور، وتؤمن بالسّلم والعيش المشترك والتّعدّديّة واحترام الاختلاف والفوارق، وتكرّس قيم التّسامح والمحبّة وتعظّم الجوامع، كما أنّ هذه الدّولة أيضاً تعتمد على مبدأ الفصل الظّاهريّ -المرن- بين السّلطات الثّلاث، سواءً أكانت تنفيذيّةً أم تشريعيّةً أم قضائيّةً، والّتي تخضع لمجموعةٍ من الضّوابط والقواعد الّتي تحدّد أسس العلاقة بين السّلطات بعضها ببعضٍ، والّتي يتعيّن مراعاتها لتسير العلاقة بينهما في الاتّجاه الّذي يحقّق المصلحة العامّة للدّولة والمجتمع ككلٍّ، هذا فضلًا عن منح السّلطة القضائيّة الحصانة والاستقلاليّة التّامّة عن باقي السّلطات الأخرى.

ولئلّا يتشعّب الحديث ويطول أكثر، أقول تتجسّد سيادة القانون في الدّولة المدنيّة من خلال منظور جلالة الملك بأن يتحمّل كلّ مواطنٍ مسؤوليّة ترسيخ مبدأ سيادة القانون من خلال تطبيق أسس ومبادئ المواطنة الصّالحة، ويأتي ذلك من خلال احترام والتزام كلّ مواطنٍ -على حدٍّ سواءٍ- بأنظمة وقوانين الدّولة من تلقاء ذاته وعدم مخالفتها، ويتجلّى ذلك في التّصرّفات والسّلوك الواعي المنضبط والحسّ الوطنيّ المتحلّي بروح المسؤوليّة، والحرص على تحقيق متطلّبات ومقتضيات تحقيق المصلحة العليا للدّولة الّتي ينتمي إليها.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }