القرالة : فجوة في رعاية أطفال التوحد بالمحافظات
غالبا ما يتناول التوحد في النقاش العام كتشخيص طبي أو اضطراب نمائي تفسره المعايير السريرية والأرقام إلا أن الواقع اليومي لأسر الأطفال المصابين به يتجاوز حدود الطب ليصل إلى أسئلة الوجود والمستقبل والكرامة الإنسانية.
فالتوحد ليس تجربة فردية معزولة، بل قضية تمس الأسرة، والمجتمع، والمنظومة الصحية والتعليمية على حد سواء.
في هذا السياق، يقدم الناطق الإعلامي بإسم نقابة الأطباء الأردنية الدكتور حازم القرالة في مقابلة مع "الرأي" شهادة إنسانية ومهنية نادرة، يروي فيها تجربته كأب لطفل شخص بالتوحد الكامل، وكطبيب وجد نفسه أمام مرض يعرفه علميا، لكنه يعيشه شعوريا كل يوم، لتتحول القصة الخاصة إلى مراة لواقع أوسع يواجه الاف الأسر في الأردن.
يستعيد الدكتور القرالة لحظة تشخيص ابنه محمد بالتوحد الكامل، واصفا إياها بلحظة صدمة حقيقية اختلط فيها الإنكار بالحيرة، رغم يقينه الطبي بالتشخيص.
وأوضح أن ظهور الأعراض كان مفاجئا، إذ كان الطفل في سنواته الأولى يتواصل ويتفاعل بشكل طبيعي، قبل أن
تبدأ حركات نمطية واضطرابات في النوم وتراجع في السلوك بعمر الثلاث سنوات، مما استدعى التوجه إلى الأطباء المختصين وإجراء الفحوصات اللازمة.
وأكد القرالة أن وقع التشخيص عليه كأب كان بالغ الصعوبة، وأن معرفته الطبية لم تخفف الألم، بل زادته تعقيدا، إذ وجد نفسه محاصرا بمسؤوليتين متداخلتين، هما مسؤولية الأب الذي يرى في ابنه امتدادا لحلمه وفرصته الثانية في الحياة، ومسؤولية الطبيب الذي يدرك التحديات المتوقعة، ويعرف تفاصيل المرض ومآلاته المحتملة.
وتابع بأن إلى أن هذه الازدواجية خلقت ضغطا نفسيا أكبر، لأن المعرفة المسبقة تجعل الصدمة أكثر مباشرة وأقل تدريجا.
وحول طبيعة مرض التوحد، شدد القرالة على أن أحد أخطر المفاهيم الخاطئة السائدة في المجتمع هو التقليل من كونه مرضا يتطلب إشرافا طبيا مستمرا.
وأوضح أن التوحد وإن لم يكن مرضا عضويا تقليديا، إلا أنه حالة طبية حقيقية تحتاج إلى طبيب يقود الخطة العلاجية، بالتوازي مع اختصاصيي تعديل السلوك والنطق، نظرا لطبيعة الحالة المتغيرة، التي تمر بمراحل تحسن وانتكاس، وتتطلب متابعة دقيقة، وأحيانا تدخلات دوائية مساندة تهدف إلى دعم العملية العلاجية وليس علاج المرض بحد ذاته.
وبين أن التشخيص المبكر يمثل فرصة ذهبية للطفل وللأهل، إذ إن التدخل في عمر صغير يزيد فرص التحسن بشكل واضح، بينما يؤدي التأخير إلى فقدان وقت علاجي ثمين.
كما أكد أن العلاج السلوكي طويل الأمد لا يمكن أن يقتصر على المراكز والمدارس فقط، بل يبدأ من البيت، حيث يقضي الطفل معظم وقته، ما يستدعي تأهيل الأهل وتمكينهم من فهم سلوك طفلهم، وتطبيق أساليب الدعم والتعديل السلوكي بشكل يومي ومستمر.
وفيما يتعلق بالتحديات التي تواجه الأسر في المجتمع، نوه القرالة إلى أن أصعب ما يواجه الأهل هو اختلاف الطفل عن أقرانه، وعدم فهم البيئة المحيطة لطبيعة حالته، سواء في المدرسة أو الأماكن العامة أو حتى داخل العائلة.
وأضاف أن غياب الوعي يؤدي إلى عزلة الطفل وأسرته، ويضاعف العبء النفسي على الأهل، خاصة في المراحل الأولى من التشخيص، حين تتراكم الأسئلة دون إجابات واضحة.
وعن واقع البيئة التعليمية في الأردن، رأى القرالة أن المؤسسات التعليمية ما تزال غير مهيأة للتعامل مع أطفال التوحد، لا سيما في المحافظات، مشيرا إلى غياب مراكز حكومية متخصصة بالمعنى الحقيقي، وارتفاع كلفة المراكز الخاصة بشكل يفوق قدرة معظم العائلات.
ولفت إلى أن الأسرة كثيرا ما تجد نفسها أمام خيار قاس بين توفير العلاج لطفلها المصاب، والحفاظ على احتياجات بقية الأبناء، في ظل محدودية الموارد والدعم.
واعتبر أن أولى خطوات الإصلاح يجب أن تبدأ بالتواصل المنهجي مع الأهل فور التشخيص، وتقديم الدعم النفسي والمعرفي لهم، لتقليل فترات الإنكار والصدمة، ومنع التنقل العشوائي بين الأطباء والمراكز، الذي يهدر وقتا علاجيا ثمينا ويستنزف الأسرة ماديا ونفسيا.
ودعا القرالة إلى تأسيس جهة رسمية متخصصة تتبع لوزارة الصحة، تعنى بأطفال التوحد في جميع محافظات المملكة، وتعمل بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم لتوفير بيئات تعليمية حاضنة داخل المدارس، تشمل غرف صفية ومعلمين مختصين.
وبخصوص مخاوف المستقبل، اعترف القرالة بأن القلق على مصير ابنه يرافقه باستمرار، كسائر الأهالي، متسائلا عمن سيرعى هذا الطفل عندما يكبر ويصبح الأهل غير قادرين على القيام بدورهم.
وأكد أن هذا الخوف مشروع، لكنه يقابله بإيمان عميق بأن الجهد الصادق لا يضيع، وأن ما يزرع اليوم من رعاية وتأهيل يثمر غدا بقدر ما تيسر.
ووجه القرالة رسالته للأهالي بالتأكيد على أن العلاج الحقيقي يبدأ من الداخل، من الفهم والمعرفة وتقبل الطفل كما هو، معتبرا أن أي تحسن مهما كان بسيطا هو نجاح حقيقي.
وبين أن ابنه محمد علمه ما لم تعلمه كليات الطب، حيث أن الإصرار يصنع الفرق، وأن خفض سقف التوقعات لا يعني قتل الأمل، وأن كل خطوة نحو اعتماد الطفل على نفسه هي إنجاز يستحق التقدير، مؤمنا بأن هؤلاء الأطفال يستحقون دعما حقيقيا، ونظاما يحمي حقهم في حياة كريمة.