بعد أكثر من ربع قرن، لا تُستعاد الذاكرة في يوم الوفاء والبيعة بوصفه محطة زمنية عابرة، بل يعود محمّلًا بحكاية وطن وشعب لم يتعبا من الوفاء، ولم يتراجعا عن البيعة، ومضيا بثقة نحو المستقبل.
ففي هذا اليوم، لا تُقرأ الذاكرة الوطنية من الكتب وحدها، بل من شخصيات عايشت المراحل، وحملت روح الوطن من جيل إلى جيل، وكانت شاهدة على تحولات الدولة وازدهارها ومسيرتها.
ومن بين هذه الشخصيات، تبرز ليالي النشاشيبي كصورة للمرأة الأردنية التي جمعت بين الأصالة والحداثة، وكانت شاهدًا حيًا على عصر الحسين الباني، رحمه الله، ثم واصلت حضورها الوطني والمهني لتكون نموذجًا أردنيًا فاعلًا في قطاع السياحة خلال عهد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله.
ويشكل الإرث الكبير لوالدتها الراحلة، كوثر النشاشيبي، الأساس الذي نشأت عليه ليالي النشاشيبي قبل أن تتولى مسؤوليتها وموقعها الحالي، إذ كانت والدتها صاحبة الصوت الشجي العذب الذي دخل كل بيت أردني، ونالت الثقة الملكية من جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، لتكون صوت الضفتين الغربية والشرقية عبر إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية، بعد أن جاءت من القدس بطلب من رئيس الوزراء آنذاك الشهيد وصفي التل، رحمه الله.
هذا الإرث الوطني والإنساني حملته ليالي النشاشيبي معها قبل أن تتحول قيمه إلى مسؤولية وموقع، لتشغل اليوم منصب المدير التنفيذي للعلاقات العامة والمسؤولية المجتمعية وتنمية المجتمع في فنادق موفنبيك الأردن، ومن خلال هذا الموقع، غدت أيضاً من الهامات العقباوية الحاضرة التي قدمت خدمات اجتماعية ملموسة في المجتمع المحلي، وأسهمت في ترسيخ حضور فاعل يسعى إلى تقديم قطاع السياحة الأردنية بنوعية وجودة تعكسان صورة حقيقية عن الوطن.
وفي حديثها لـ«الرأي»، أكدت النشاشيبي أن يوم الوفاء والبيعة بالنسبة لها لا يُختصر في كونه مناسبة وطنية، بل هو ذاكرة شخصية ارتبطت بمحطات مفصلية عايشتها مع القيادة الهاشمية منذ سنوات طويلة، وأسهمت في ترسيخ معنى الانتماء للوطن والوفاء لقيادته.
وأوضحت أن من أوائل هذه المحطات الثقة التي مُنحت لوالدتها لإنتاج برنامج إذاعي عام 1967، في مرحلة دقيقة من تاريخ المنطقة، بهدف شمل أبناء الشعب الواحد في الضفتين الغربية والشرقية، حين كانت الكلمة جسرًا، وكان الصوت وطنًا جامعًا.
وانطلاقًا من هذه الذاكرة، استحضرت النشاشيبي لقاءها الشخصي الأول بجلالة المغفور له الملك الحسين الباني، رحمه الله، خلال افتتاح مصانع الأسمدة في العقبة عام 1982، مؤكدة أنها تشرفت بلقائه في تلك المناسبة، وواصفة حضوره بأنه أضفى هيبة عظيمة على المكان، وجعل من الحدث محطة وطنية وتنموية لا تُنسى.
وبيّنت أنها عايشت لاحقًا زيارة ملكية أخرى في أوائل التسعينيات، حين شرف جلالة الملك الحسين المصانع برفقة ضيوفه، وفي مقدمتهم الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك والوفود المرافقة، إلى جانب افتتاح المصانع الكيماوية اليابانية، وهي محطات راسخة في الذاكرة باعتبارها شواهد على مرحلة مهمة من البناء الوطني.
وعن السابع من شباط عام 1999، قالت النشاشيبي إن يوم وفاة الملك الحسين كان يومًا حزينًا اقتُطع فيه من القلب شيء ثمين، إلا أن ذكرى الحسين بقيت خالدة، ومسيرته ما زالت ممتدة بيد هاشمية نقية حملت المسؤولية، وحمت الراية والثرى.
وفي سياق حديثها عن جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، أوضحت النشاشيبي أن أول شرف لها بلقائه كان عندما كان أميرًا، خلال زيارته لمصانع الأسمدة في العقبة، مرافقًا لسمو الأمير الحسن بن طلال وعدد من الأمراء أثناء زيارتهم للمحافظة. وأضافت أن اللقاء الثاني جاء عند تسلمها وسام الاستقلال من الدرجة الثانية نيابةً عن والدتها الراحلة كوثر النشاشيبي، حيث انتابها شعور عميق بالفخر والسعادة، لكونه تكريمًا لإرث وطني وإنساني جسدته والدتها عبر سنوات طويلة من العطاء.
وأشارت النشاشيبي إلى أنه في عام 2011 كرّمها جلالة الملك عبدالله الثاني بمنحها وسام الاستقلال من الدرجة الثانية، تقديرًا لجهودها في قطاع السياحة والخدمة المجتمعية، مؤكدة أن هذه الأوسمة تمثل مسؤولية وطنية متجددة قبل أن تكون موضع فخر شخصي.
كما استحضرت افتتاح فندق موفنبيك العقبة عام 2000، واصفة تلك اللحظة بأنها شعور لا يوصف، لافتة إلى أن جلالة الملك عبدالله الثاني حضر لاحقًا اجتماعات ومؤتمرات عديدة أُقيمت في الفندق، ما منح المكان بعدًا وطنيًا خاصًا.
واليوم، تواصل ليالي النشاشيبي نسج معاني الوفاء والبيعة عبر قيم تُترجم في العمل المخلص، وخدمة الوطن، وحماية إرثه، ورعاية مجتمعه، مؤكدة أن مسيرة الأردن المستمرة وقيادته الهاشمية الحكيمة النقية الإرادة هي التي تمنح كل جهد يُبذل في خدمة الشعب معنى خالدًا، يتجاوز اللحظة ويسجل في التاريخ، ويثبت في الذاكرة الوطنية.