يحيي الأردنيون في السابع من شباط 2026 الذكرى السابعة والعشرين ليوم الوفاء والبيعة، المناسبة الوطنية التي تستحضر رحيل الملك الباني الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، وتتجدد فيها البيعة لجلالة الملك عبدالله الثاني، الذي تسلّم سلطاته الدستورية في محطة مفصلية من تاريخ الدولة، وقاد منذ ذلك الحين مسيرة الأردن في مرحلة اتسمت بتعقيدات إقليمية غير مسبوقة وتحولات سياسية واقتصادية عميقة.
وعلى امتداد سبعة وعشرين عاما، قاد جلالة الملك عبدالله الثاني مشروع دولة قائم على التحديث والإصلاح التدريجي، انطلاقا من قناعة راسخة بأن بقاء الدولة واستقرارها لا ينفصلان عن قدرتها على التطور السياسي والاقتصادي، وتجديد أدواتها التشريعية والإدارية، والاستثمار في الإنسان باعتباره جوهر التنمية.
وفي هذا السياق، أكد نقيب المهندسين المهندس عبدالله عاصم غوشة أن يوم الوفاء والبيعة يشكل محطة وطنية لتقييم مسيرة إصلاح شاملة قادها جلالة الملك بثبات ووضوح رؤية، مشيرا إلى أن الأردن لم يدخل مسار التحديث من باب الاستجابة الظرفية، بل كخيار استراتيجي طويل الأمد.
وقال غوشة إن جلالة الملك قاد خلال السنوات الماضية عملية إصلاح سياسي عميقة، أعادت الاعتبار لفكرة الدولة الدستورية الحديثة، عبر تحديث المنظومة التشريعية، وتعزيز دور الأحزاب، وتطوير قانوني الانتخاب والأحزاب، وتهيئة البيئة السياسية لبرلمانات برامجية قادرة على المساءلة وصناعة القرار، مؤكدا أن هذا المسار يعكس إيمان القيادة بأن المشاركة الشعبية هي أساس الاستقرار الحقيقي.
وأضاف أن التحديث السياسي لم يكن منفصلا عن الإصلاح الاقتصادي، إذ حرص جلالة الملك على إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، والانتقال به من اقتصاد تقليدي إلى اقتصاد أكثر انفتاحا وتنوعا، قائم على الشراكة مع القطاع الخاص، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز الإنتاجية، ومعالجة تحديات الفقر والبطالة، رغم محدودية الموارد والضغوط الإقليمية.
وأشار غوشة إلى أن الهندسة الحقيقية لمسيرة الدولة في عهد جلالة الملك شملت بناء المؤسسات، وتكريس سيادة القانون، وحماية استقلال القضاء، وتطوير الإدارة العامة، لافتا إلى أن هذه الإصلاحات أسهمت في تعزيز ثقة الأردنيين بدولتهم، وصون السلم المجتمعي في أصعب الظروف.
وعلى الصعيد الخارجي، شدد غوشة على أن جلالة الملك رسّخ مكانة الأردن كدولة ذات وزن سياسي وأخلاقي في الإقليم والعالم، مؤكدا أن الدور الذي قاده جلالته دفاعا عن القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها القدس، شكل علامة فارقة في السياسة الدولية، حيث حافظ الأردن على موقف ثابت، غير قابل للمساومة، رغم الضغوط السياسية والاقتصادية.
وقال إن المواقف التي قادها جلالة الملك خلال العدوان على غزة، والتحركات الدبلوماسية المكثفة في العواصم العالمية والمنظمات الدولية، عكست قيادة تعرف كيف توظف احترام العالم للأردن من أجل القضايا العادلة، مضيفا أن الأردن في عهد عبدالله الثاني كان فاعلا سياسيا وإنسانيا، يجمع بين الحكمة والجرأة.
من جهته، أكد نقيب المقاولين الأردنيين فؤاد الدويري أن ذكرى الوفاء والبيعة تعكس مسيرة بناء اقتصادي طويل، قادها جلالة الملك في ظروف بالغة التعقيد، مشيرا إلى أن الحفاظ على الاقتصاد الوطني متماسكا خلال الأزمات الإقليمية والعالمية كان إنجازا بحد ذاته.
وقال الدويري إن السياسات الاقتصادية التي تبناها الأردن في عهد جلالة الملك قامت على مبدأ التوازن بين الاستقرار المالي ومتطلبات التنمية، لافتا إلى أن مشاريع البنية التحتية، والإسكان، والطاقة، والنقل، شكّلت رافعة أساسية للاقتصاد، وأسهمت في توفير فرص العمل وتحريك عجلة الإنتاج.
وأضاف أن جلالة الملك كان سباقا في دعم الشراكة مع القطاع الخاص، وتعزيز بيئة الأعمال، وتحسين التشريعات الناظمة للاستثمار، رغم التحديات المرتبطة بارتفاع كلف الإنتاج والظروف الإقليمية، مؤكدا أن قطاع المقاولات ظل شريكا رئيسيا في مشروع الدولة التنموي.
بدوره، قال نقيب الصيادلة الدكتور زيد الكيلاني إن يوم الوفاء والبيعة يعكس بعدا إنسانيا أساسيا في رؤية جلالة الملك، يتمثل في بناء منظومة صحية قادرة على حماية المواطن وتعزيز جودة حياته، مشيرا إلى أن القطاع الصحي الأردني شهد تطورا ملحوظا على مستوى التشريعات، والبنية التحتية، والكفاءات.
وأوضح الكيلاني أن اهتمام جلالة الملك بالصحة العامة، والدواء، والتصنيع الدوائي، أسهم في ترسيخ مكانة الأردن كمركز صحي إقليمي، لافتا إلى أن السياسات الصحية خلال الأزمات، لا سيما في السنوات الأخيرة، كشفت عن قدرة الدولة على إدارة المخاطر بكفاءة ومسؤولية.
وأكد أن الإصلاح الإداري والتشريعي في القطاع الصحي يعكس فلسفة ملكية تقوم على العدالة في تقديم الخدمة، وضمان وصولها للمواطن، باعتبار الصحة ركنا أساسيا من أركان الأمن الوطني.
ويأتي إحياء الذكرى السابعة والعشرين ليوم الوفاء والبيعة، والأردن يمضي بثقة في مشروعه الإصلاحي، مستندا إلى قيادة تمتلك وضوح الرؤية، وإلى شعب أثبت عبر العقود أنه شريك حقيقي في بناء الدولة وحمايتها.