مخامرة: دمج اللاجئين في التعليم والصحة والعمل الرسمي
الحدب: المشاركة الاقتصادية للاجئين تحول التحديات إلى فرص
دية: المملكة تتحمل العبء المالي الأكبر لضمان استمرار دعم اللاجئين
أجمع خبراء اقتصاديون على أن الأردن شكّل نموذجًا عالميًا فريدًا في ملف استضافة اللاجئين، إذ يحتل المرتبة الثانية عالميًا من حيث عدد اللاجئين نسبةً إلى عدد السكان. وأكدوا أن الدور الأردني تجاوز مجرد الاستضافة الجغرافية ليصل إلى دمج اللاجئين في الأنظمة الوطنية، كالصحة والتعليم.
ولفت الخبراء، في أحاديث لـ«الراي»، إلى أن استضافة الأردن لأعداد هائلة من اللاجئين رتّبت ضغوطًا كبيرة على البنية التحتية، وأعباءً اقتصادية متزايدة، قدّرتها الحكومة والتقارير الدولية بتكاليف مالية مباشرة، حيث تجاوزت الكلفة التراكمية لاستضافة اللاجئين السوريين وحدهم 12 مليار دولار منذ عام 2011.
واستقبل جلالة الملك عبدالله الثاني، الثلاثاء، المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الدكتور برهم صالح.
وهنّأ جلالته المفوض السامي بمناسبة انتخابه لمنصبه الجديد، متمنيًا له التوفيق.
وتناول اللقاء سبل توسيع التعاون بين الأردن والمفوضية، إذ أكد جلالته أهمية الاستمرار في دعم المجتمعات المستضيفة للاجئين.
ومن جانبه، أعرب المفوض السامي عن تقديره لجهود الأردن في استضافة اللاجئين وتوفير الخدمات الأساسية لهم.
كما جرى بحث أبرز المستجدات في المنطقة، مع التأكيد على أهمية تسهيل آليات العودة الآمنة والطوعية للاجئين السوريين.
وأشار الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إلى أن الأردن شكّل نموذجًا عالميًا فريدًا في ملف استضافة اللاجئين، حيث يحتل المرتبة الثانية عالميًا من حيث عدد اللاجئين نسبةً إلى عدد السكان، مؤكدًا أن الدور الأردني تجاوز الاستضافة الجغرافية ليصل إلى دمج اللاجئين في الأنظمة الوطنية، كالصحة والتعليم.
ولفت مخامرة إلى أن الأردن يعمل وفق استراتيجية «الاستجابة للأزمة السورية»، التي تدمج بين العمل الإنساني والتنموي، إذ يتمثل دوره في توفير الملاذ الآمن لنحو 1.3 مليون سوري، من بينهم قرابة 630 ألفًا مسجّلين رسميًا لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إضافة إلى لاجئين من فلسطين والعراق واليمن وليبيا.
وأضاف أن الأردن يتبع سياسة الإدماج في الخدمات الوطنية، وكان من أوائل الدول التي سمحت للاجئين بالوصول إلى المدارس الحكومية والمراكز الصحية، بدلًا من عزلهم في مخيمات مغلقة. كما منح الأردن أكثر من 340 ألف تصريح عمل للاجئين السوريين حتى عامي 2024/2025، ما مكّنهم من المساهمة في الاقتصاد الرسمي بدل الاعتماد الكلي على المساعدات.
وأشار أيضًا إلى أن البعد الإنساني للدور الأردني يتجاوز لغة الأرقام، إذ يرتكز على قيم العروبة والمواثيق الدولية، ويحرص على أن يعيش اللاجئون بكرامة، حيث يقيم أكثر من 80% منهم داخل المدن والقرى الأردنية، وليس في المخيمات، بما يعزز التماسك الاجتماعي.
وبيّن أن الأردن يركز على حماية الفئات الضعيفة، ويتعاون مع المنظمات الدولية لتوفير الحماية القانونية والاجتماعية للنساء والأطفال، وتنفيذ برامج لمكافحة عمالة الأطفال وزواج القاصرات. وأضاف أنه، ورغم شح الموارد، لم يغلق الأردن حدوده في وجه الهاربين من الحروب، ويواصل المطالبة بحلول سياسية تضمن العودة الطوعية والآمنة للاجئين إلى بلدانهم.
وأشار مخامرة إلى أن استضافة هذا العدد الكبير من اللاجئين رتّبت ضغوطًا على البنية التحتية وأعباءً اقتصادية، قدّرتها الحكومة والتقارير الدولية بتكاليف مالية مباشرة، حيث تجاوزت الكلفة التراكمية لاستضافة اللاجئين السوريين وحدهم 12 مليار دولار منذ عام 2011. كما تسببت أزمة اللجوء بتأثيرات على النمو الاقتصادي، إذ تشير تقديرات وزارة التخطيط إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي تباطأ بنحو 1.6% سنويًا بسبب الأزمة؛ فبدون أعباء اللجوء، كان من المتوقع أن ينمو الاقتصاد الأردني بمعدل 5.5% بدلًا من 2.4%.
وذكر أن أزمة اللاجئين شكّلت ضغطًا كبيرًا على الموارد والبنية التحتية، ففي قطاع المياه، يُعدّ الأردن من أفقر دول العالم مائيًا، وقد أدى اللجوء إلى زيادة الطلب على المياه بنسبة تصل إلى 40% في المناطق الشمالية. أما في قطاع التعليم، فقد اضطرت وزارة التربية والتعليم إلى اعتماد نظام «الفترتين» في مئات المدارس لاستيعاب الطلبة اللاجئين.
وأضاف أن أزمة اللجوء أدت كذلك إلى زيادة الإنفاق الحكومي على دعم الخبز والكهرباء والخدمات البلدية، في وقت يواجه فيه الأردن عجزًا في التمويل الدولي، إذ لا يتم تغطية سوى نحو 30% من احتياجات «خطة الاستجابة الأردنية»، ما يضطر الحكومة إلى تحمّل الفجوة من الموازنة العامة وزيادة الدين العام.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور محمد الحدب إن الأردن لم يستضف لاجئين فقط، بل أدار موجات نزوح بطريقة حافظت على السلم المجتمعي واستمرارية الخدمات واستقرار الاقتصاد الكلي قدر الإمكان، في دولة محدودة الموارد، معتبرًا أن ذلك يشكل مساهمة في الاستقرار الإقليمي والدولي ينبغي إدارتها بمنطق السياسات العامة لا بمنطق الاستنزاف.
وأشار الحدب إلى أن الأردن يتعامل تاريخيًا مع ملف لجوء متعدد الجنسيات، شمل عبر عقود موجات نزوح من جنسيات عدة، ما يجعل استضافة اللاجئين جزءًا بنيويًا من تجربة الدولة الحديثة، لا حالة طارئة. غير أن موجة اللجوء السوري، بحجمها وطول أمدها وكلفتها التراكمية، تُعدّ الأثقل والأكثر تأثيرًا على المؤشرات الاقتصادية والخدمية خلال العقد الأخير.
ولفت إلى أنه، بلغة الأرقام، يستضيف الأردن قرابة 1.3 مليون سوري وفق التقديرات الحكومية منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، من بينهم نحو 600 ألف لاجئ مسجّلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وتتركز معظم الاحتياجات خارج المخيمات، داخل المدن والبلدات، ما يعني أن العبء الحقيقي يقع على المجتمعات المستضيفة، لا على المخيمات فقط.
وأضاف أن أهمية «خطة الاستجابة الأردنية» تنبع من كونها الإطار التنفيذي الذي يقيس الكلفة ويحوّلها إلى أولويات قطاعية قابلة للتمويل، إذ قُدّرت متطلبات الخطة لعام 2025 بنحو 1.6 مليار دولار، وهو أدنى مستوى منذ إطلاقها عام 2015.
وبيّن أن انخفاض المتطلبات لا يعكس بالضرورة انخفاض الكلفة الفعلية، بل يعكس جزئيًا محاولة مواءمة الاحتياجات مع واقع تراجع الدعم الدولي. وخلال الفترة 2015–2023، لم يموّل المجتمع الدولي سوى 45.9% من إجمالي متطلبات بلغت 22.1 مليار دولار، ما خلّف فجوة تراكمية تقارب 11.8 مليار دولار تحمّل الأردن الجزء الأكبر من آثارها المالية والخدمية. وسجّل عام 2023 ذروة هذا الاختلال، إذ لم يتجاوز التمويل 29.2% من الاحتياجات المعلنة.
وأوضح أن الكلفة لا تقتصر على بنود خطة الاستجابة السنوية، بل تمتد إلى كلف مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد الكلي. وتشير الوثائق إلى أن متوسط الكلفة المباشرة السنوية لاستضافة اللاجئين السوريين قُدّر بنحو 1.5 مليار دولار، فيما تتراوح الكلفة غير المباشرة بين 1.3 و3.5 مليار دولار سنويًا.
وأشار إلى أن هذه الأرقام تكشف أن العبء الحقيقي يقع على الخدمات العامة والبلديات والبنية التحتية في المجتمعات المستضيفة، حيث يتركز معظم اللاجئين.
وقال إن من الخطأ سياسيًا اختزال الملف بخسارة صافية، فرغم الضغط على الخدمات وسوق العمل غير المنظم، هناك أثر إضافي على الطلب والاستهلاك. وأكد أن تنظيم المشاركة الاقتصادية للاجئين يقلّل العبء المالي ويرفع الأثر الإيجابي على الاقتصاد المحلي، دون الإضرار بحقوق الأردنيين.
بدوره، قال الخبير الاقتصادي منير دية إن الأردن تحمّل أعباءً كبيرة جراء استقباله أكثر من مليون لاجئ سوري منذ اندلاع الأزمة قبل نحو خمسة عشر عامًا، ما فاقم الضغوط على قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية، في ظل تراجع التزامات المجتمع الدولي وانخفاض التمويل المخصص للاجئين.
ولفت دية إلى أن رصد نحو 600 مليون دولار كموازنة لتمويل احتياجات اللاجئين السوريين لعام 2026 لا يكفي لتغطية احتياجات أكثر من 1.3 مليون لاجئ في الأردن. وأضاف أن على الحكومة مطالبة المجتمع الدولي بتحمّل مسؤولياته وزيادة المخصصات المالية اللازمة، خاصة لبند العودة الطوعية للاجئين السوريين، الذي لم تتجاوز مخصصاته 13 مليون دولار، بواقع 175 دولارًا للفرد، وهو مبلغ غير كافٍ لتأمين عودة طوعية حقيقية.
وأشار إلى أن التحديات الاقتصادية الناتجة عن أزمة اللجوء كانت سببًا رئيسيًا في ارتفاع معدلات البطالة وزيادة الإنفاق على البنية التحتية، فضلًا عن الضغط الكبير على المدارس والمراكز الصحية، ما انعكس معاناة حقيقية على شريحة واسعة من الأردنيين.