الرقمنة رفعت معيار التوثيق
الرشدان : الصرف عن بعد ممارسة صحية لا لوجستية
تخصصات صيدلانية ما زالت محدودة التفعيل في الأردن
أكد الأستاذ المساعد في كلية الصيدلة ومدير مركز الاقتصاد الصحي والسياسة الاجتماعية بجامعة الشرق الأوسط الدكتور عمر الرشدان أن الجدل الدائر حول تعليمات صرف وتوصيل الدواء عن بعد يجب أن يقرأ من زاوية مهنية بحتة تضع سلامة المريض في صدارة النقاش.
وأضاف في مقابلة مع "الرأي" أن الإشكالية لا تكمن في مبدأ التوصيل بحد ذاته، وإنما في كيفية تطبيقه، وضمان ألا يتحول صرف الدواء من ممارسة صيدلانية متكاملة إلى عملية لوجستية منفصلة عن الدور المهني للصيدلي.
وأوضح الرشدان أن التعليمات الجديدة حاولت ضبط هذا المسار من خلال اشتراط أن يتم الصرف عبر الصيدلي المسؤول، وربط الأدوية التي تحتاج إلى وصفة طبية بضرورة توثيقها من الطبيب المعالج وتسجيلها في الملف الطبي، إلى جانب إلزام تجهيز الدواء بملصق الاستطباب وطريقة الاستعمال، وإحكام التغليف، وتوثيق بيانات متلقي الخدمة، مع وضع قيود واضحة على فئات الأدوية التي لا يجوز صرفها عن بعد.
وأشار إلى أن التحدي الحقيقي لا يظهر في النصوص بقدر ما يظهر في التطبيق العملي الموحد عبر مختلف القطاعات، خاصة في ظل تفاوت جاهزية صيدليات المجتمع من حيث السجلات الإلكترونية وتكامل الملفات الطبية، مما يستدعي حوارا منظما مع جميع الأطراف المعنية، وهو نقاش قائم بالفعل بين النقابة ووزارة الصحة، انطلاقا من هدف مشترك يتمثل في حماية المريض وضمان استقرار المنظومة الصحية.
وفيما يتعلق بالمسؤولية في حال وقوع خطأ دوائي أثناء الصرف أو التوصيل عن بعد، بين الرشدان أن التعليمات وقانون الدواء لا يحملان المسؤولية لطرف واحد، بل تحدد بحسب المرحلة التي وقع فيها الخلل ضمن رحلة الدواء.
وتابع بأن الخطأ إذا كان في الوصفة أو القرار العلاجي فإن المسؤولية تقع على الطبيب، وإذا كان في الصرف أو التجهيز أو التحقق داخل الصيدلية فهي مسؤولية الصيدلي أو الصيدلية، أما أخطاء النقل أو التخزين أو التسليم أو التحقق من هوية المستلم فتقع على جهة التوصيل.
في حين يتحمل مشغل المنصة وفق الرشدان مسؤولية أي خلل في النظام الإلكتروني أو السجلات أو مسار التتبع، موضحا أن توثيق كل خطوة يسهل تحديد المسؤولية بدقة ويمنع تضاربها.
وحول المخاطر المحتملة، بين الرشدان أن أي تغيير في مسار العمل الدوائي ينطوي على تحديات، إلا أن جزءا كبيرا منها يمكن ضبطه عندما تبنى الخدمة على اشتراطات واضحة وتطبيق صارم.
ونوه إلى أنه في جانب التخزين والنقل، اشترطت التعليمات وسائل نقل مستوفية للشروط الفنية لنقل الأدوية والمستحضرات، وحددت سقفا زمنيا للتوصيل لا يتجاوز 24 ساعة، بما يقلل المخاطر المرتبطة بسلامة الدواء.
أما التداخلات الدوائية وسوء الاستخدام، اعتبر أنها مخاطر قائمة أصلا في أي نظام صرف، وتزداد عندما لا تفعل المشورة الصيدلانية، وهو ما عالجته التعليمات عبر إتاحة التواصل الإلكتروني مع الصيدلي لتقديم الإرشاد والمتابعة عند الحاجة.
ولفت الرشدان إلى أن مشكلة الغش أو تداول الأدوية غير النظامية لا تنبع من التوصيل بحد ذاته، بل من القنوات غير القابلة للتتبع، لافتا إلى أن التعليمات سعت لمعالجة هذا الجانب من خلال ربط الخدمة بمنشات مرخصة وخاضعة للرقابة وشروط الاستمرارية، بما يجعل أي خلل قابلًا للكشف والمساءلة.
وبخصوص مفهوم الصيدلة الحديثة، أوضح أنها لا تعني تغير جوهر مهنة الصيدلي، باعتبارها مهنة صحية أساسية في أي نظام صحي، وإنما تعكس تحولا في نموذج الممارسة، حيث انتقل الدور من التركيز على "صرف الدواء" إلى "إدارة العلاج الدوائي" ضمن الفريق الصحي، وبمرجعيات علمية وبروتوكولات جودة وسلامة واضحة، وباعتماد متزايد على التوثيق والبيانات.
وبين أن تقييم أداء الصيدلي اليوم لم يعد يقاس بعدد الوصفات المصروفة، بل بقدرته على تحسين نتائج العلاج، ورفع مستوى السلامة الدوائية، وتقليل الأخطاء والهدر، مؤكدا أن الصيدلي لم يعد حلقة منفصلة داخل المنظومة الصحية، بل شريكا في القرار العلاجي وحماية المريض.
وأضاف أن دور الصيدلي يبدأ في مراحل مبكرة تسبق صرف الدواء، من خلال مشاركته في إعداد البروتوكولات والمسارات العلاجية عبر اللجان العلمية ولجان الأدوية، وتحديد بدائل العلاج ومعايير الاستخدام والقيود المرتبطة بالسلامة والفعالية.
وعلى المستوى الوطني، نبه الرشدان إلى أن الصيادلة يواكبون الدواء عبر دورة حياته كاملة، من التقييم والاعتماد، إلى اليقظة الدوائية ومتابعة السلامة، وصولا إلى تحديث السياسات العلاجية بناء على البيانات والخبرة الواقعية.
وأوضح أن اندماج الصيدلي ضمن الفريق العلاجي في المستشفيات والمراكز الصحية يختلف باختلاف نموذج المؤسسة، ففي المؤسسات التي تطبق الصيدلة السريرية وبروتوكولات العمل المشتركة، يكون للصيدلي دور واضح في مراجعة العلاج، وحساب الجرعات، وتحسين سلامة الاستخدام، بينما يظل دوره في مؤسسات أخرى محصورا أكثر في صرف الدواء وتثقيف المريض دون مشاركة مباشرة في اتخاذ القرار العلاجي.
وبالنسبة لتخصصات الصيدلة الحديثة، أشار الرشدان إلى أن العالم يتجه نحو مجالات تركز على إدارة الدواء داخل منظومة الرعاية الصحية، مثل الصيدلة السريرية التخصصية، والمعلوماتية الدوائية والصحية لدعم القرار وتتبع العلاج، واقتصاديات الدواء لترشيد الموارد وتحقيق "القيمة مقابل المال"، إضافة إلى علوم اليقظة الدوائية والأدوية الحيوية.
ولفت إلى أن هذه التخصصات موجودة في الأردن، لكنها ما تزال محدودة التفعيل والانتشار، وغالبا ما تعتمد على مبادرات فردية أو مؤسسات محددة.
وأكد أن ضعف تفعيل هذه التخصصات يعني فقدان طبقة أمان إضافية، كان يمكن أن تقلل احتمالات الخطأ الدوائي، وتحسن جودة الرعاية، وتخفف المضاعفات القابلة للتجنب، مما ينعكس سلبا على كفاءة النظام الصحي ويزيد الهدر الناتج عن إعادة العلاج أو الدخول المتكرر للمستشفيات.
ورأى الرشدان أن الرقمنة لم تغير جوهر مهنة الصيدلي، لكنها رفعت معيار التوثيق وغيرت طريقة تقديم الخدمة، مشددا على أن تطوير الصيدلة في الأردن يجب أن ينطلق من تثبيت نموذج ممارسة واضح ينقلها فعليا من صرف الدواء إلى إدارة الدواء، ضمن بروتوكولات قابلة للقياس والمتابعة، وبما يحقق نتائج صحية أفضل وقيمة أعلى مقابل الإنفاق، لأن الهدف النهائي هو سلامة المريض وصحة المجتمع.