لم يعد التعليم الدامج مجرد مفهوم نظري أو خيار تربوي طوعي، بل غدا حقًا إنسانيًا أصيلًا كفلته المواثيق الدولية، ونهجًا تربويًا حديثًا تسعى المؤسسات التعليمية إلى ترسيخه، انطلاقًا من الإيمان بأن التعليم حق للجميع دون استثناء.
ويقوم التعليم الدامج على دمج الطلبة من ذوي الإعاقة وصعوبات التعلم في المدارس النظامية، وتوفير بيئة تعليمية تستجيب لاحتياجاتهم الفردية، بما يضمن مشاركتهم الكاملة والفاعلة في العملية التعليمية، ويعزز قيم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.
في محافظة عجلون، بات التعليم الدامج أحد المحاور الرئيسة في جهود تطوير العملية التربوية، من خلال تعزيز وصول جميع الطلبة إلى تعليم عادل وشامل، وتهيئة بيئات مدرسية قادرة على استيعاب التنوع والاختلاف دون تمييز.
وأكد رئيس جامعة عجلون الوطنية الأستاذ الدكتور فراس الهناندة أن تجربة التعليم الدامج تمثل نموذجًا وطنيًا يعكس التزام الدولة بتعزيز العدالة التعليمية والاندماج المجتمعي، من خلال برامج تعليمية متخصصة، وغرف مصادر، ومعلمين مساندين، إلى جانب خدمات علاجية وتأهيلية متنوعة.
وأشار إلى أن التعليم الدامج ينسجم مع رؤية التحديث الإداري والقطاعي، مبينًا أن الجامعات تضطلع بدور أساسي في إعداد وتأهيل الكوادر القادرة على التعامل مع احتياجات الطلبة بمختلف فئاتهم.
التربية: نشر ثقافة التقبّل وتحسين الأداء الأكاديمي
من جهته، قال مدير التربية والتعليم لمحافظة عجلون خلدون جويعد إن التعليم الدامج يسهم في نشر ثقافة التقبل والتنوع داخل المجتمع المدرسي، ويحسن أداء الطلبة من خلال توفير بيئة صفية طبيعية داعمة، مؤكدًا أن جميع مدارس المحافظة تفتح أبوابها للطلبة من ذوي الإعاقة، انسجامًا مع الرؤية الملكية السامية.
وبيّن أن عدد الطلبة من ذوي الإعاقة في مدارس المحافظة بلغ نحو 300 طالب وطالبة، إضافة إلى وجود 12 مدرسة دامجة، تقدم خمس منها خدمات متكاملة عبر فرق متعددة التخصصات تشمل العلاج الطبيعي، والعلاج الوظيفي، والنطق واللغة، والتأهيل البصري.
وأشار جويعد إلى توفير 25 معلمًا مساندًا لتقديم الدعم الأكاديمي في مدارس المحافظة، إلى جانب 40 غرفة صفية متعددة التخصصات موزعة على مدارس المديرية، إضافة إلى غرفة للإعاقة الذهنية في مدرسة القلعة الثانوية المختلطة، وأخرى في مدرسة صخرة الثانوية للبنات. وأكد أن التعليم الدامج أصبح جزءًا أصيلًا من خطط المديرية، من خلال تحسين الخدمات الداعمة داخل المدارس، وتطوير الخطط التربوية الفردية للطلبة، وتنفيذ برامج تدريبية للمعلمين تساعدهم على استيعاب الفروق الفردية.
وأوضح أن المديرية تعمل على المتابعة المباشرة لضمان التحاق الطلبة من ذوي الإعاقة بالمدارس القريبة من أماكن سكنهم، ومنع تسربهم، وتعزيز مشاركتهم في مختلف الأنشطة المدرسية دون استثناء.
بدورها، بينت مديرة مدرسة حطين الأساسية المختلطة ربيعة المومني أن نجاح التعليم الدامج يعتمد على ترسيخ ثقافة مدرسية قائمة على القبول والاحترام، وتطوير أدوات تشخيص الاحتياجات التعليمية، وتزويد المدارس بالمواد المساندة اللازمة.
وأكدت أن دعم برامج الدمج يتطلب تكاملًا حقيقيًا بين المدرسة وولي الأمر والمجتمع المحلي، مشيرة إلى أن تطبيق الدمج في المدرسة جاء ضمن خطة واضحة تعتمد على المتابعة اليومية والتقييم المستمر، وتهيئة بيئة صفية تشجع الطلبة على التفاعل، وتوظيف الأنشطة الهادفة لرفع الدافعية نحو التعلم.
من جانبه، أكد الأكاديمي الدكتور أحمد الجبالي أهمية الاستثمار في التكنولوجيا المساندة، وتطوير الخدمات الداعمة مثل لغة الإشارة، وطريقة برايل، وتكييف الأنشطة الصفية، بما يضمن تمكين جميع الطلبة من الاندماج في التجربة التعليمية بصورة فاعلة وشاملة.