أأحبرُ الدمع ناعيًاك، أم أعتصرُ دمَ الفؤاد؟
أأجدُ كلامًا وقد جفَّ في عروق لساني؟!
ليس سهلًا أن نكتب عن الراحلين حين يكونون أصدقاء، وحين لا يكون الفقد حدثًا عابرًا، بل فجعةً كاملة الأركان. كيف، وبماذا، أبكيك يا د. كميل موسى أفرام؟ وبأيّ لغة أودّعك، وأنت الصديق الوفي، صاحب الإحساس الهفيف، والقول الشفيف، والروح التي كانت تميل دائمًا إلى الناس لا فوقهم؟
قبل أيام قليلة فقط، كنت تطمئنني أن صحتك مستقرة. قلتها بهدوئك المعهود، كأنك ـ دون قصد ـ كنت تهيئ من حولك للفقد، ثم مضيت، تاركًا الدهشة أثقل من الاحتمال.
عرفناك فارسًا يرفض الترجّل إلا في ميدانه. في الجامعة، في المستشفى، بين مرضاه وطلابه. هناك كنت في مكانك الطبيعي: تضمّد الجراح، وتخفف الآلام، وتمارس مهنتك كما آمنت بها دائمًا، رسالةً لا وظيفة. كنت تغادر واقفًا، وعلى رأس عملك، كما عشت واقفًا طوال عمرك؛ صلبًا في الحق، لا تهادن فيه، ورحيمًا في الإنسان، لا تقسو عليه.
ولم تكن طبيبًا فقط. كنت كاتبًا يعرف كيف يلامس المعنى دون ادعاء، ومحللًا إداريًا وسياسيًا يكتب ليضيء لا ليصخب. اعتاد قرّاء الرأي أن ينتظروا مقالك السنوي في عيد ميلادك، ذاك النص الذي كنت تحلّق فيه فوق السنين كتجربة منطاد، وتكتب رسالتك الدائمة: «رسالة إلى ولدي». رسالة لم تكن موجهة لولدك وحده، بل لجيل كامل، عن الكفاح، والمعنى، وقيمة الإنسان.
كنت تشبه الناس، وتصرّ على ذلك. ابن رحم المعاناة، وحكاية ابن مكافحين جعلا من أبنائهما رأس مالهم الوحيد واستثمارهم الأسمى. رند، وموسى، وفرح… أبناء تعلّموا فأبدعوا، فصاروا نموذجًا، لأن أباهم كان النموذج. نموذجًا لكل الكادحين، أبناء أولئك الذين لم يملكوا إلا جملة واحدة يواجهون بها الحياة:
«ببيع جاكيتي وبدرّسك يا با».
رحيلك المتعجّل، يا صديقي، فجعني. لم يبقَ في العيون مخزون كافٍ من الدمع، ولا في الفؤاد متّسع لكل هذا الحزن. ومع ذلك، نعرف أن بعض الناس لا يُختصرون بالموت، بل يُقاسون بالأثر… وأثرك باقٍ.
إلى زوجتك رندا، شريكة الرحلة والصبر،
وإلى موسى، وفرح، ورند،
العزاء الذي لا يُقال إلا همسًا، والصبر الجميل الذي يليق بالكبار. فالراحل كبير، والألم أكبر، لكن العزاء أن السيرة نظيفة، والطريق الذي مشى فيه والدكم كان مستقيمًا.
الأخ والصديق الغالي،
د. كميل موسى أفرام،
على رجاء الإيمان نودّعك. نودّعك وأنت الإنسان المؤمن، الصبور، الجسور، الذي رحل جسدًا، وبقي معنى.