أكد مدير الخدمات الطبية الملكية السابق وعضو اللجنة الاستشارية في مجلس السياسات الوطني الدكتور عادل الوهادنة أن الجدل المتكرر حول اليات التقييم السنوي للأطباء لا ينبغي أن يختزل في نماذج ورقية أو مؤشرات شكلية.
وأضاف "للرأي" أن جوهر التقييم الحقيقي يجب أن ينطلق من أثر الطبيب على صحة المريض وجودة القرار الطبي، لا من قدرته على إرضاء الإدارة أو الالتزام الشكلي بالإجراءات.
وأوضح الوهادنة أن الأنظمة الصحية المنتجة عالميا باتت تميز بوضوح بين التقييم الذي يصنع قيمة، والتقييم الذي يقتلها بصمت، محذرا من أن الخلل في أدوات التقييم لا ينعكس فقط على الأطباء، بل يمتد ليصيب كفاءة النظام الصحي بأكمله.
واعتبر أن كثيرا من نماذج التقييم التقليدية ما تزال تمنح وزنا مبالغا فيه للحضور الإداري والمشاركة في الاجتماعات، إذ تشير تقديرات مهنية إلى أن 30-40% من مؤشرات التقييم تتركز على هذه الجوانب، رغم أن أثرها المباشر على سلامة المرضى أو جودة الرعاية يكاد يكون محدودا، في حين يهمش تقييم الإنتاجية السريرية الفعلية وتعقيد الحالات، ونوعية القرار الطبي المتخذ في الوقت الحرج.
وأشار إلى أن التقييم القائم على عدد الوصفات أو كثرة الفحوصات يكافئ الهدر الطبي لا الكفاءة، موضحا أن القرار الطبي الصحيح في الوقت المناسب قادر على خفض الكلفة الصحية بنسبة تصل إلى 20-25%، بينما يغيب هذا البعد عن كثير من أنظمة التقييم الحالية.
وبين الوهادنة أن الاعتماد على رضا المريض اللحظي كمؤشر رئيسي للتقييم يعد قراءة ناقصة وخطرة، لافتا إلى أن الرضا الفوري قد يتجاوز 90% حتى مع قرارات طبية خاطئة قصيرة الأمد، في حين تبقى مؤشرات المضاعفات خلال 30 و90 يوما المعيار الأصدق لقياس جودة الرعاية، رغم أن وزنها في التقييم غالبا لا يتجاوز 10-15%.
وتابع بأن المفارقة الكبرى تظهر في المستشفيات المرجعية، حيث يتحمل 15-20% من الأطباء عبء ما يقارب 60% من الحالات المعقدة والحرجة، دون أن ينعكس ذلك إيجابا على تقييمهم، بل قد يحسب ضدهم لأنهم يطرحون أسئلة علمية صعبة ويكشفون ثغرات إدارية لا ترغب بعض الإدارات في مواجهتها.
وشدد على أن التقييم المهني الناضج لا يقيس فقط مدى الالتزام الحرفي بالبروتوكولات، بل قدرة الطبيب على تفسيرها وتجاوزها علميا عند الحاجة، معتبرا أن غياب هذا البعد يحول الطبيب إلى منفذ تعليمات لا خبيرا مسؤولا عن القرار.
كما لفت الوهادنة إلى أن أدوار التعليم الطبي المستمر، وتطوير المسارات السريرية، وتحديث البروتوكولات ما تزال مظلومة في معظم نماذج التقييم، إذ لا تمنحها أكثر من 20% من الأنظمة وزنا فعليا، رغم أنها تشكل قيمة مؤسسية طويلة الأمد وتحمي النظام الصحي من الجمود والتراجع.
وحذر من تجاهل العدالة في توزيع الحالات، حيث أن تقييم طبيب يتحمل عبء الحالات الأصعب دون تعديل عبء العمل يعد ظلما علميا وإداريا، ويؤدي إلى استنزاف الكفاءات خلال 3-5 سنوات، حيث يغادر الأطباء الأكفأ ويبقى الأقل احتكاكا بالمخاطر.
وقال "إن أخطر ما يواجه أنظمة التقييم هو الخوف الإداري، حين يستخدم التقييم كأداة تهدئة ومجاملة لا كوسيلة تطوير، مشيرا إلى أن هذا النهج يخلق تقييمات مرتفعة بلا أثر، ويقود إلى تراجع تدريجي في الأداء الحقيقي قد يصل إلى 15-20% خلال سنوات قليلة".
ونوه الوهادنة إلى أن التقييم حين يكون علميا وصادقا يتقدم الطب، وحين يكون مجاملا تتقدم التقارير ويتأخر المرضى، أما حين يكون خائفا فهو لا يقيم أحدا، بل يؤشر عن الانحدار المؤسسي بهدوء.