مع انحسار المنخفضات الجوية الأخيرة عن محافظة الطفيلة، بدأت تداعياتها تتكشف بشكل أوسع على الواقع الزراعي، لا سيما في منطقة البربيطة، حيث تسببت السيول والانجرافات بأضرار مباشرة لحقت ببساتين الجوافة وشبكات الري والقنوات المائية ومصارف المياه التي تغذي مئات الدونمات الزراعية، ما يهدد استقرار الإنتاج الزراعي ويضع المزارعين أمام خسائر قد تتجاوز موسمًا واحدًا وتمتد إلى البنية الأساسية للأراضي الزراعية.
ووصف المزارع محمود المرافي ما جرى بأنه “ضربة ” للموسم ، مؤكدًا أن الرياح الشديدة والسيول جرفت أجزاء من أرضه الزراعية واقتلعت عددًا من أشجار الجوافة التي تشكّل مصدر دخله الرئيسي.
وأشار إلى أن الضرر لم يقتصر على المحصول فحسب، بل طال التربة نفسها، ما يعني خسائر طويلة الأمد تمتد لسنوات، الأمر الذي فاقم الأعباء الاقتصادية على المزارعين الصغار.
من جانبه، أوضح المزارع خالد السعود أن الأضرار شملت شبكات الري والقنوات المائية والأنابيب البلاستيكية، التي تضررت بشكل كبير نتيجة السيول والرياح العاتية، مبينًا أن توقف الري لفترات قصيرة كان كفيلًا بإلحاق أضرار بالمحاصيل المتبقية. وأضاف أن إعادة تأهيل هذه الأضرار باتت تفوق قدرة المزارعين الفردية في ظل ارتفاع الكلف وقلة الإمكانات.
وتعكس شهادات المزارعين واقعًا متكررًا في مناطق الشفا الغورية بالمحافظة، حيث تشير تقارير رسمية إلى أن هذه المناطق تتأثر بشكل ملحوظ بالمنخفضات الجوية العنيفة، نتيجة طبيعتها الطبوغرافية ومرور الأودية فيها، ما يجعلها عرضة للسيول والانجرافات، خاصة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.
الزراعة: كشوفات ميدانية وحصر للأضرار
وفي هذا السياق، أوضح مدير زراعة الطفيلة، المهندس بلال الهلول، أن منطقة البربيطة تتمتع بخصوصية جغرافية، إذ تقع على مسار هوائي قادم من أودية أعلى سد التنور، ما يزيد من شدة الرياح ويضاعف احتمالات انجراف التربة.
وأكد الهلول أن مديرية الزراعة تحركت ميدانيًا عقب انتهاء المنخفضات، حيث جرى تشكيل لجان فنية للكشف على المزارع المتضررة وحصر الأضرار بدقة، سواء تلك المتعلقة باقتلاع الأشجار أو جرف الأراضي الزراعية.
وبيّن أن التقارير الناتجة عن هذه الكشوفات يتم رفعها إلى وزارة الزراعة لاتخاذ الإجراءات اللازمة وفق الأطر القانونية المعتمدة، لافتًا إلى أن بعض الأضرار الناتجة عن انجراف الأراضي تقع خارج صلاحيات الوزارة، ما استدعى مخاطبة الحاكم الإداري ومجلس المحافظة لمعالجتها عبر قنوات رسمية أخرى، وبما يضمن استجابة شاملة للضرر.
وأشار إلى أن البربيطة تُعد من المناطق المعروفة بزراعة النباتات الاستوائية، وعلى رأسها الجوافة، نظرًا لطبيعتها الشفا غورية، إلا أن هذه الميزة تتحول إلى نقطة ضعف في حالات الطقس القاسي، كون هذه الأشجار أكثر حساسية للرياح وعدم استقرار التربة.
تعويضات وتحديات متكررة
وفيما يتعلق بالتعويضات، أوضح الهلول أن صندوق المخاطر الزراعية يتولى إرسال لجان متخصصة لتقدير حجم الأضرار ميدانيًا، وعلى ضوء ذلك يتم تحديد قيمة التعويضات للمزارعين المتضررين وفق معايير فنية معتمدة.
وتبقى الزراعة في مناطق الشفا الغورية بمحافظة الطفيلة أمام اختبار متكرر مع كل موسم مطري، حيث تتقاطع قسوة الطبيعة مع محدودية الإمكانات، ما يفرض تحديات مركبة على المزارعين والجهات الرسمية على حد سواء. ومع استمرار إجراءات التقييم والتعويض، يبرز التساؤل حول مدى قدرة الحلول الحالية على الحد من تكرار هذه الخسائر مستقبلًا، في ظل تصاعد حدة الظواهر الجوية، الأمر الذي يضع ملف حماية الأراضي الزراعية والبنية التحتية المرتبطة بها في صدارة الأولويات لضمان استدامة الإنتاج الزراعي وحماية مصادر رزق المزارعين في المحافظة.