صادرت حكومة الاحتلال الإسرائيلي 695 دونمًا من الأراضي الواقعة بين محافظتي سلفيت وقلقيلية شمال الضفة الغربية المحتلة، بهدف ربط مستوطنة «كارنيه شومرون» بعدد من البؤر الاستيطانية. وتأتي هذه الخطوة في موقع استراتيجي يحوّل أقصى شمال الضفة الغربية إلى كانتون مغلق جغرافيًا، ويجعل المحافظتين سلفيت وقلقيلية بمثابة سجن كبير غير مرتبط بباقي محافظات الضفة إلا عبر بوابة عسكرية إسرائيلية. ويعتبر هذا الإجراء ضربة قاضية للتواصل الجغرافي الفلسطيني وقدرة إقامة دولة فلسطينية متصلة.
في سياق متصل، شن مستوطنون هجومًا عنيفًا على تجمع خلة السدرة البدوي قرب بلدة مخماس في قضاء القدس المحتلة، حيث أحرقوا مساكن فلسطينية ومنشآت، واعتدوا على السكان في تصعيد جديد ضمن سلسلة الاعتداءات الاستيطانية. وأكدت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني أن طواقمها نقلت إلى المستشفى أربعة مصابين، من بينهم متضامنان أجنبيان، سيدة ورجل، نتيجة هجمات المستوطنين على السكان.
ويرى ناشطون أن الهجوم يأتي ضمن جهود الاحتلال لطرد الفلسطينيين من شرق القدس وإقامة المشروع الاستيطاني المعروف باسم «إي 1»، الذي يفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها تمامًا. وأوضح آخرون أن الاحتلال يسعى من خلال هذه الاعتداءات المتكررة إلى تهجير عشرات التجمعات الفلسطينية البدوية في المنطقة، عبر المضايقات وحرق الممتلكات والاعتداء على السكان، لإفساح المجال لإقامة بؤر استيطانية جديدة.
وحسب تحليلات جوية وجغرافية، تقع الأراضي المصادرة في منطقة ذات أهمية استراتيجية كبيرة، حيث تقطع عمليًا التواصل الإقليمي بين بلدة سلفيت وقلقيلية. وتكشف الوثائق الإسرائيلية أن الهدف المعلن هو منع التواصل الإقليمي بين البلدات الفلسطينية وتحويلها إلى جيوب منعزلة ومغلقة.
وتشير المصادر الإسرائيلية إلى أن خطة مصادرة منطقة «دوروت» كانت على جدول أعمال الحكومة منذ عام 2019، استنادًا إلى قرار حكومي من عام 1984، إلا أن التنفيذ تأخر لسنوات لأسباب مختلفة. وفي تحول استراتيجي خطير، توجهت الحكومة الإسرائيلية إلى الجمهور الحريدي كقوة استيطانية جديدة، حيث من المتوقع أن يسكن المشروع الضخم آلاف الوحدات الاستيطانية، ويربط مستوطنة «كارنيه شومرون» بطريق 505، ما يخلق تواصلًا إقليميًا إسرائيليًا يقلل من أهمية القرى الفلسطينية في المنطقة.
وكشفت محافل إسرائيلية في «يشع»–مجلس التجمعات الاستيطانية–عن مشاريع حريدية كبرى قيد التنفيذ، منها إنشاء «مدينة التمور» في غور الأردن مخصصة للحريديم، وإقامة مدرسة دينية كبرى في منطقة قرية العوجا التحتا، وتحويل مستوطنتي «بيتار عيليت» و"موديعين عيليت» إلى مدن رئيسية حريدية. وتشير معطيات مركز أبحاث السلام الإسرائيلي «الخط الأخضر» إلى أن حكومة نتنياهو أقامت خلال ولايتها الحالية 69 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، نحو 20 منها مستوطنات جديدة بالكامل، في وتيرة غير مسبوقة منذ اتفاق أوسلو.
وتكشف مصادر في «قيادة الاستيطان» الإسرائيلية عن القلق من عدم القدرة على إسكان كل المستوطنات الجديدة قبل الانتخابات القادمة، خشية أن تعيق الحكومة المقبلة التوسع الاستيطاني. وتؤكد المحافل السياسية اليسارية أن الحكومة الحالية تسعى لضرب أسس خطة ترامب المعروفة بـ «صفقة القرن»، التي أقرت إقامة شبة دولة فلسطينية، حيث كانت منطقة دوروت وفق الخطة الأمريكية مفترضة أن تكون تحت السيطرة الفلسطينية لضمان التواصل الإقليمي شمال الضفة.
وحسب معهد أبحاث الأراضي الإسرائيلي، فإن وتيرة النمو السكاني في المستوطنات الحريدية أسرع كثيرًا من نظيرتها في المستوطنات اليهودية خلف الخط الأخضر، ما يغيّر ديمغرافيا الضفة الغربية بشكل هيكلي. ويؤكد خبراء فلسطينيون أن مصادرة منطقة دوروت تعني عزل سلفيت عن محيطها الفلسطيني وتقسيم الضفة الغربية إلى كانتونات منفصلة، ما ينهي إمكانية وجود دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
ويشير تحليل معهد القدس للشؤون العامة إلى أن الاستيطان الحالي لم يعد مجرد توسيع للمستوطنات القائمة، بل أصبح بنية تحتية استعمارية شاملة تهدف إلى الضم الفعلي للضفة الغربية، وتحويل الفلسطينيين إلى أقلية مضطهدة ضمن دولة إسرائيلية واحدة. وتقول د. ليلى فرسخ، المحللة السياسية في مركز كارنيغي: «ما نشهده اليوم هو نهاية حل الدولتين بفعل الأمر الواقع. إسرائيل تخلق واقعًا جغرافيًا وديموغرافيًا يجعل الدولة الفلسطينية مستحيلة، والأخطر أن ذلك يحدث بصمت دولي مخجل».
وتصبح الضفة الغربية اليوم مختبرًا للاستعمار الاستيطاني الحديث في القرن الحادي والعشرين، حيث تستخدم أدوات غير قانونية وديمغرافية لتحقيق أهداف تقليدية: السيطرة على الأرض وطرد الفلسطينيين أو تقييدهم في كانتونات معزولة، وتقليص فرصهم في العيش المستقل وضرب مقومات حياتهم. وفي القدس المحتلة، شرعت جرافات الاحتلال في تمهيد للبناء ضمن مخطط «إي 1»، الذي يمتد على نحو 12 كيلومترًا مربعًا بين مستوطنتي معاليه أدوميم وبسغات زئيف، ويهدد 22 تجمعًا بدويًا فلسطينيًا بالتهجير.
ووفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذ المستوطنون نحو 4723 اعتداءً في الضفة الغربية خلال 2025، أسفر عن استشهاد 14 فلسطينيًا وتهجير 13 تجمعًا بدويًا يضم نحو 1090 شخصًا. ويشير تقرير رسمي فلسطيني إلى أن عدد المستوطنين في الضفة نهاية 2024 بلغ نحو 770 ألفًا، موزعين على أكثر من 180 مستوطنة و256 بؤرة استيطانية، ما يعكس تصاعدًا غير مسبوق في وتيرة التوسع الاستيطاني.