في مشهد تنموي يعكس جوهر العمل المجتمعي المسؤول، تبرز الجمعيات الخيرية والتنموية في لواءي الأغوار الجنوبية والمزار كنماذج وطنية فاعلة أحدثت تحولاً ملموساً في حياة النساء والأسر، عبر نقل المرأة من دائرة الاحتياج إلى فضاء الشراكة في الإنتاج والتنمية، من خلال مشاريع نوعية مستدامة تركت آثاراً مباشرة على الواقعين المعيشي والاجتماعي للمجتمع المحلي. وتعد جمعية سيدات النقع الخيرية، التي تأسست عام 2015 في غور النقع بمحافظة الكرك، إحدى أبرز هذه النماذج الرائدة، حيث واصلت أداء دورها الإنساني والتنموي في خدمة النساء والأطفال وذوي الإعاقة والأسر محدودة الدخل، لتغدو قصة نجاح في العمل التطوعي المؤسسي.
وأكدت رئيسة الجمعية خضرا المحافظة أن الجمعية تعمل بروح الفريق الواحد لخدمة أبناء المنطقة، واضعة تمكين المرأة والأسرة في صلب أولوياتها من خلال مشاريع إنتاجية وتعليمية متكاملة. وأشارت إلى أن مقر الجمعية، المكوّن من ثلاثة مبانٍ للإدارة والمطبخ الإنتاجي ورياض الأطفال وذوي الإعاقة، جاء بتبرع كريم من سلطة وادي الأردن، ما عزز قدرتها على توسيع نطاق خدماتها.
وتنفذ الجمعية مشروع التغذية المدرسية المجاني بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي والجمعية الملكية للتوعية الصحية، مستهدفاً 35 مدرسة من رياض الأطفال وحتى الصف السادس الأساسي في لواء الأغوار الجنوبية، وموفراً 37 فرصة عمل لأبناء المجتمع المحلي، من بينهم 24 سيدة مشمولة بالضمان الاجتماعي. كما تقدم خدمات رياض الأطفال والتربية الخاصة لذوي الإعاقة مجاناً بدعم من وزارتي التنمية الاجتماعية والتربية والتعليم، وأسهم مشروع المحفظة الإقراضية، المدعوم من الديوان الملكي الهاشمي وبإشراف مؤسسة نهر الأردن، في تمكين الأسر الفقيرة من إنشاء مشاريع صغيرة مدرّة للدخل عززت من استقرارها الاقتصادي.
وفي لواء المزار الجنوبي، شكّلت جمعية شقيرا للتنمية الاجتماعية محطة بارزة في مسار التحول من العمل الخيري التقليدي إلى التنمية المستدامة، عبر إطلاق حزمة من المشاريع الداعمة لقطاع المرأة والشباب وتعزيز حضورهم في الإنتاج المحلي.
وقال رئيس الجمعية يونس الجعافرة إن المرحلة الحالية تتطلب أدواراً أكثر فاعلية للجمعيات، تقوم على الشراكات والبرامج العملية، وهو ما دفع الجمعية إلى إبرام اتفاقيات مع مؤسسات ومنظمات محلية ودولية دعمت تمكين المرأة والشباب وتأهيلهم للمشاركة في مسيرة التنمية. ومن أبرز هذه الشراكات اتفاقية مع منظمة كير العالمية لدعم سيدات عاملات في مشاريع إنتاجية خاصة، من خلال التدريب والتأهيل والتسويق وتقديم دعم نقدي ساعد على تطوير مشاريعهن ورفع سوية إنتاجها. كما عقدت الجمعية شراكة مع المجلس الدنماركي لشؤون اللاجئين أسفرت عن تنفيذ دورات في الدعم النفسي والاجتماعي استفاد منها نحو 300 متدرب على مستوى المحافظة. وفي السياق ذاته، برزت جمعية سيدات عين عباطه للمرأة الريفية الخيرية، التي تأسست عام 2018، كنموذج إبداعي في تمكين المرأة الريفية اقتصادياً عبر مشاريع إنتاجية غير تقليدية.
وأوضحت رئيسة الجمعية الدكتورة جميلة اشتيوي أن الجمعية نفذت عدداً من المشاريع النوعية، أبرزها مشروع استخلاص خيوط الموز، الذي تعمل فيه 12 سيدة، وينتج خيوطاً ومنتجات تراثية تُسوّق للزوار من داخل المنطقة وخارجها، مع تخصيص 15% من العائدات لدعم استدامة الجمعية.
كما أسهم مشروع الاستزراع السمكي في إحداث أثر إنساني عميق، حيث مكّن إحدى السيدات من استكمال دراستها الجامعية في كلية التمريض، وساعد شاباً على مواصلة دراسته الجامعية، إلى جانب تمكين سيدة أخرى من علاج ابنها بمبلغ تجاوز 2000 دينار أردني.
وتكاملت هذه الجهود مع مشروع الخياطة الذي استفادت منه 12 سيدة عبر تنفيذ طلبيات خياطة، أبرزها تفصيل 300 مريول مدرسي بدعم من متبرعين، ومشروع تجفيف الخضار الذي يشغل 12 سيدة ويتم من خلاله تجهيز نحو 300 كيلوغرام كل ثلاثة أسابيع وتسويقها محلياً، مع تخصيص 10% من العائدات لدعم الجمعية.
وتجسّد شهادات المنتفعات الأثر الحقيقي لهذه المشاريع، إذ تؤكد إحدى المستفيدات من مشروع الاستزراع السمكي أن المشروع لم يوفّر دخلاً فحسب، بل أعاد لها الأمل ومكّنها من الاعتماد على نفسها واستكمال تعليمها الجامعي. فيما تشير عاملة في مشروع الخياطة إلى أن حصولها على دخل ثابت غيّر حياتها وساعدها في تلبية احتياجات أبنائها، بينما عبّرت مستفيدة من مشروع التغذية المدرسية في غور النقع عن فخرها بقدرتها على خدمة أطفال منطقتها وإعالة أسرتها بكرامة. وعززت هذه المبادرات مكانة المرأة الاجتماعية، ورفعت من وعيها وقدراتها، وأسهمت في تحقيق الاستقرار الأسري والتخفيف من الفقر والبطالة، وبخاصة في المناطق الأقل حظاً.