تتفاقم اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين على الفلسطينيين في الضفة الغربية بوتيرة متصاعدة منذ اندلاع الحرب، وسط حماية مباشرة من جيش الاحتلال، وفي سياق باتت فيه هذه الاعتداءات جزءًا من سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، عبر العنف والترهيب والاستيلاء على الأراضي وتدمير سبل العيش.
فقد هاجم مستوطنون، أمس الإثنين، تجمعات سكنية وأراضي زراعية في عدد من مدن وقرى الضفة الغربية، في اعتداءات وُصفت بأنها يومية ومنظمة، وتتم في كثير من الأحيان بحماية قوات الاحتلال أو بمشاركتها المباشرة. وأفادت مصادر محلية بأن مجموعات من المستوطنين هاجمت رعاة الأغنام في منطقة وادي أبو شبّان بمسافر يطا جنوب الخليل، حيث اعتدت على الأهالي، قبل أن تقدم قوات الاحتلال على اعتقال الشاب عليان إبراهيم عليان من المنطقة، في خطوة بدت وكأنها لتأمين انسحاب المستوطنين وليس لحماية السكان الفلسطينيين.
وفي السياق ذاته، قالت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني إن شابًا يبلغ من العمر 35 عامًا أصيب بجروح خطيرة برصاص جيش الاحتلال في بلدة الرام شمالي القدس المحتلة. وأضافت الجمعية، في تصريح مقتضب، أن الشاب أُصيب برصاصة في الصدر أثناء محاولته اجتياز جدار الفصل العنصري، وجرى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج.
وامتدت الاعتداءات إلى شمال شرق رام الله، حيث اقتحم مستوطنون قرية المغير واعتدوا على الأهالي، الذين يعانون منذ أشهر من اقتحامات شبه يومية لأراضيهم الزراعية ومنازلهم، في محاولة واضحة لدفعهم إلى الرحيل القسري.
وفي جنوب شرق بيت لحم، اندلعت مواجهات في قرية الرشايدة عقب تصدي الأهالي لهجوم نفذه مستوطنون على أراضيهم. وقالت منظمة البيدر الحقوقية إن مواجهات عنيفة اندلعت بعد محاولة المستوطنين الاعتداء على الممتلكات، مؤكدة أن هذه الهجمات تأتي ضمن سلسلة متكررة تهدف إلى ترهيب السكان المحليين وإضعاف صمودهم، وسط مخاوف متزايدة على سلامة الأهالي وحقوقهم الأساسية في الأرض والسكن.
ولم تقتصر الاعتداءات على الهجمات العلنية، إذ أفادت مصادر محلية بأن مستوطنين اقتحموا، بلباس جيش الاحتلال، مساكن المواطنين في منطقة عين الحلوة بالأغوار الشمالية، وقاموا بتخريب وتدمير محتوياتها. وأضافت المصادر أن الاقتحام طال منازل المواطنين فتحي عليان دراغمه، وقدري عليان دراغمه، وعادل عليان دراغمه، وفاطمة عليان، ما أسفر عن أضرار جسيمة في الممتلكات، وأثار حالة من الخوف والهلع، لا سيما في صفوف النساء والأطفال.
وفي مؤشر إضافي على الطابع المنظم لهذه الاعتداءات، افتتح مستوطنون مستوطنة جديدة أطلقوا عليها اسم «رحبعام» على أراضي شرق سلفيت، ضمن سلسلة مستوطنات أعلنت عنها حكومة الاحتلال مؤخرًا. كما أطلق مستوطنون، تحت حماية جيش الاحتلال، مواشيهم في المحاصيل الزراعية بمنطقة رجوم إعلي بمسافر يطا، في وقت احتجزت فيه قوات الاحتلال عددًا من المواطنين لتأمين اقتحامات المستوطنين.
كما اقتحم مستوطنون قرية بورين جنوب نابلس، ونفذوا جولات استفزازية بين منازل المواطنين، في استمرار لسياسة الترهيب الجماعي التي تشهدها مناطق واسعة من شمال الضفة.
وتأتي هذه الاعتداءات في وقت أقرت فيه تقارير عبرية، استنادًا إلى معطيات الجيش الإسرائيلي نفسه، بارتفاع اعتداءات المستوطنين بنسبة 25% خلال عام 2025 مقارنة بالعام الماضي. وبحسب هذه المعطيات، وثّق الجيش الإسرائيلي 1720 اعتداءً إرهابيًا نفذه مستوطنون، منذ بداية الحرب، شارك أو ساند فيها جنود إسرائيليون في عدد من الحالات.
وأوضح الجيش أن المستوطنين نفذوا خلال عام 2025 وحده 845 اعتداءً إرهابيًا ضد الفلسطينيين، أسفرت عن إصابة نحو 200 فلسطيني واستشهاد أربعة آخرين، مقارنة بـ675 اعتداءً في عام 2024، أُصيب خلالها 149 فلسطينيًا واستشهد ستة.
وبيّنت المعطيات أن الاعتداءات تصاعدت بشكل لافت خلال عام 2025، إذ سُجل في النصف الأول منه 440 اعتداءً، بزيادة 39% عن الفترة ذاتها من عام 2024، فيما نُفذ 405 اعتداءات في النصف الثاني من العام. كما ارتكب المستوطنون خلال شهر حزيران 2025 مئة اعتداء، مقارنة بـ67 اعتداء في الشهر نفسه من العام السابق، بزيادة بلغت 50%.
وأشار الجيش الإسرائيلي إلى أن اعتداءات المستوطنين منذ بداية الحرب على غزة شملت اعتداءات جسدية، وإغلاق طرق، وإلحاق أضرار بالممتلكات، وإلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة، إضافة إلى 157 اعتداء وُصفت بأنها «هجمات خطيرة» شملت إعدامات ميدانية وتدنيس أماكن مقدسة وإحراق مركبات ومبانٍ، فضلًا عن 78 اعتداءً استهدفت المزروعات وقطع وإحراق الأشجار المثمرة.
وسُجلت أعلى نسبة من هذه الاعتداءات في منطقة نابلس (33%)، تلتها منطقتا الخليل ورام الله بنسبة 19% لكل منهما.
وربط الجيش الإسرائيلي تصاعد إرهاب المستوطنين بتزايد إقامة البؤر الاستيطانية العشوائية، المعروفة بـ”المزارع»، مشيرًا إلى إقامة نحو 90 بؤرة منذ بداية الحرب، ليرتفع عددها من 30 إلى 120 بؤرة، بإشراف مباشر من وزير المالية ووزير في وزارة الأمن بتسلئيل سموتريتش.
ونقلت صحيفة عبرية عن ضابط إسرائيلي كبير قوله إن «من يتجاهل إقامة قرابة 100 مزرعة جديدة منذ بداية الحرب، عليه ألا يتفاجأ من ارتفاع أحداث الاحتكاك والجريمة القومية».
ورغم ذلك، أقر ضباط في الجيش بوجود «انتقادات شديدة» للشرطة وجهاز الشاباك بسبب فشلهم في لجم إرهاب المستوطنين. وقال ضابط كبير إن «الفجوة بين خطورة المعطيات وبين الإنفاذ الفعلي آخذة بالاتساع»، محذرًا من أن هذه الاعتداءات «لا تستهدف الفلسطينيين فقط، بل تؤدي إلى تآكل القدرة العملياتية للجيش وتعقيد الوضع الأمني، وتقريب المنطقة من خطر تصعيد أوسع».
ويعترف الجيش، في الوقت نفسه، بأن المستوطنين نفذوا منذ بداية الحرب أكثر من 100 اعتداء على قواته، بينها 63 اعتداء خلال عام 2025 وحده، بزيادة 10% عن العام السابق، دون أن يفسر أسباب عدم اتخاذ إجراءات رادعة بحقهم.
ويؤكد ضباط إسرائيليون أن هذه الاعتداءات تنفذها «مجموعات كبيرة ومنظمة تحظى بدعم مسؤولين سياسيين وناشطين يمينيين بارزين»، في إشارة إلى الغطاء السياسي الرسمي الذي تتمتع به.
وفي هذا السياق، أعلن وزير الأمن يسرائيل كاتس، فور توليه منصبه، إلغاء الاعتقال الإداري بحق المستوطنين المتورطين في الإرهاب، فيما يوجّه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الشرطة بعدم اعتقالهم أو التحقيق معهم، ما اعتبره مراقبون تشجيعًا مباشرًا على استمرار الاعتداءات.
بدورها، أعلنت وزارة الزراعة الفلسطينية نتائج تقرير شامل يوثق تصعيدًا خطيرًا وغير مسبوق في الانتهاكات الإسرائيلية بحق القطاع الزراعي في الضفة الغربية خلال عام 2025. وقالت الوزارة إن هذه الانتهاكات، التي نفذها جيش الاحتلال والمستوطنون، تشكل تهديدًا وجوديًا للزراعة الفلسطينية وضربة مباشرة للأمن الغذائي الوطني.
وأكد التقرير أن ما جرى لا يمكن اعتباره حوادث فردية، بل سياسة ممنهجة تستهدف الأرض والمياه والموارد الطبيعية عبر التجريف، والاقتلاع، والحرق، ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية، تحت حماية جيش الاحتلال وبمشاركة المستوطنين.
وأضافت الوزارة أن الخسائر الاقتصادية المباشرة تجاوزت 103 ملايين دولار، فضلًا عن آثارها العميقة على سلاسل الإنتاج، والدخل الريفي، وارتفاع كلفة الغذاء، وزيادة معدلات الفقر والبطالة.
وأشار التقرير إلى تضرر أكثر من 91 ألف شجرة زيتون، بينها أشجار معمّرة يزيد عمرها على مئة عام، في محافظات الخليل ورام الله ونابلس وجنين وسلفيت، في محاولة لتدمير الموروث الزراعي والثقافي الفلسطيني. كما وثّق سرقة وقتل أكثر من 5 آلاف رأس من الأغنام، وتدمير خلايا نحل، وتخريب مصادر المياه والبنية التحتية الزراعية، ما عمّق من هشاشة المزارعين وهدد صمودهم على أرضهم.