التمييز بين مستويات الأطباء
أهمية الشفافية في إعلان معايير التقييم
معالجة الفجوة بين والتوقعات والنتائج
أكد مدير الخدمات الطبية الملكية السابق وعضو اللجنة الاستشارية في مجلس السياسات الوطني الدكتور عادل الوهادنة أن الجدل المتكرر حول نسب النجاح في امتحان البورد الأردني لا يرتبط بالنتائج بحد ذاتها بقدر ما يعكس غياب إطار منهجي معلن لتقييم جودة الأسئلة الكتابية قبل عقد الامتحان.
وأوضح الى "الرأي" أن جزءا كبيرا من الإشكالية يعود إلى أن بعض واضعي الأسئلة ما زالوا يتعاملون مع الامتحان كأداة لاسترجاع المعرفة، لا كوسيلة لقياس مهارات التفكير السريري، وحل المعضلات، واتخاذ القرار الطبي الرشيد، وهي مهارات أصبحت في الطب الحديث أكثر أهمية من مجرد حفظ المعلومة التي بات الوصول إليها متاحا بسهولة.
وأشار الوهادنة إلى أن وجود أكاديمي مخضرم على رأس المجلس، مر بجميع مراحل السلم الأكاديمي من طالب وطبيب مقيم إلى مدرس ومدير، يخلق توقعا مشروعا بأن يقاد امتحان البورد تدريجيا نحو ما يسمى "بالمربع الأخضر"، حيث تتراجع الشكوك، ويزداد الإحساس بالعدالة، ويفهم الامتحان بوصفه جزءا أصيلا من العملية التدريبية لا أداة إقصائية.
واعتبر أن إحدى أهم الأدوات العلمية لتحقيق ذلك تتمثل في اعتماد التقييم الاستباقي للأسئلة قبل إدراجها في الامتحان، وهو إجراء لا يحاسب فيه المتقدم، بل يقيم فيه السؤال نفسه قبل أن يحاسب المتقدمين.
وبين أن هذا التقييم يستند إلى مؤشرين أساسيين، أولهما مؤشر مستوى الأداء المتوقع، الذي يقيس النسبة المتوقعة لنجاح المتقدمين الأكفاء، ومدى قابلية السؤال للحل بالاعتماد على التدريب السريري النظامي، والتفكير التحليلي، والمبادئ الإكلينيكية الأساسية، لا على التفاصيل النادرة.
واعتبر الوهادنة أن فشل غالبية المؤهلين في سؤال ما يعد مؤشرا مبكرا على غموض غير مبرر، أو اعتماد مفرط على معلومات هامشية، أو صياغة لا تخدم الهدف التعليمي.
أما المؤشر الثاني، فهو مؤشر التمييز العلمي كما ذكر، والذي يقيس قدرة السؤال على التفريق بين الطبيب المتدرب جيدا، والطبيب الذي يعتمد على الحفظ السطحي، بحيث ينجح فيه من يمتلك منهجية تفكير واضحة، لا من صادف معلومة محفوظة.
ولفت إلى أن السؤال الجيد لا يكون سهلا على الجميع، ولا مستحيلا على الأغلبية، بل يظهر فروقا حقيقية في الأداء بين المتقدمين.
وشدد الوهادنة على أن الخطوة الجوهرية لكسر حلقة الشك تكمن في الإعلان المسبق والشفاف عن نتائج هذا التقييم الاستباقي قبل الامتحان، دون كشف محتوى الأسئلة، فإذا جاءت النتائج متوافقة مع التوقعات المعلنة، ينتفي التشكيك الموضوعي، ويتحول النقاش إلى مراجعة جودة التدريب.
وفي حال ظهر عدم توافق واضح بين التقييم المسبق والنتائج الفعلية وفق الوهادنة، فالحل لا يكون بالإنكار، بل بإعادة برمجة الأسئلة.
ونوه إلى أن إعادة البرمجة تشمل عددا من الاليات العلمية المعتمدة عالميا، من أبرزها إعادة صياغة السيناريو السريري لتقليل الغموض غير المقصود، وتعديل خيارات الإجابة بإزالة المشتتات غير المنطقية، وتحويل السؤال من اختبار معلومة إلى اختبار قرار، إضافة إلى ضبط مستوى التعقيد المعرفي، وإعادة توزيع الوزن النسبي للأسئلة، بحيث لا تحسم نتيجة الامتحان بعدد محدود من الأسئلة الإشكالية.
وشدد الوهادنة على أن إدخال التقييم الاستباقي للأسئلة، والإعلان عن مؤشراته بشفافية، لا يمس بهيبة البورد الأردني بل يعززها، وينقل الامتحان من ساحة جدل موسمي إلى أداة تدريب وطنية ناضجة، تقاس بها الكفاءة لا الحظ، ويفهم من خلالها الامتحان كجزء من بناء الطبيب، لا كحكم نهائي عليه.