القلق والإرهاق وراء غالبية الشكاوى
ضعف التركيز أكثر شيوعا من ضعف الذاكرة
التمرير السريع يعيق تثبيت الذاكرة قصيرة المدى
نفى استشاري أمراض الدماغ والأعصاب الدكتور محمد الزريقي وجود ارتفاع حقيقي وموثق في معدلات الإصابة بـ "الخرف المبكر" بين فئة العشرينات والثلاثينات.
وأكد في مقابلة مع "الرأي" أن ما يتداول على نطاق واسع يعود في معظمه إلى سوء فهم طبي، أو خلط بين الخرف الحقيقي وضعف التركيز والنسيان، المرتبطين بنمط الحياة وضغوطها المتزايدة.
وأوضح الزريقي أن الخرف الحقيقي في هذه الأعمار نادر جدا، لدرجة أن معظم مراجعي العيادات العصبية من فئة الشباب الذين يشتكون من النسيان والتشتت، تكون الاحتمالات الأقرب لديهم مرتبطة بقلة النوم، والقلق أو الاكتئاب، والإرهاق المزمن، واضطرابات الغدة الدرقية، ونقص بعض الفيتامينات، أو الاثار الجانبية للأدوية، وليس بخرف تنكسي.
وبين أن غالبية الدراسات العلمية التي تناولت ما يعرف بالخرف قبل سن 65 عاما (Young-Onset Dementia)، تركز على الفئة العمرية بين 30 و64 عاما، لافتا إلى أن الدراسات التحليلية العالمية أظهرت أن معدلات حدوث الخرف في الفئة العمرية 30-34 عاما منخفضة جدا، ولا تتجاوز بضع حالات لكل 100 ألف شخص سنويا، ثم ترتفع تدريجيا مع التقدم في العمر، مما يؤكد أن الخرف تحت سن 35 ممكن نظريا لكنه استثناء نادر جدا.
وأشار الزريقي إلى أن بعض الدراسات الحديثة رصدت زيادة في تشخيص الخرف لدى من هم دون السبعين عاما، إلا أن هذا الارتفاع لا يعني بالضرورة زيادة حقيقية في المرض، بل قد يكون مرتبطا بتحسن أدوات التشخيص، وارتفاع الوعي الصحي، وتغير أنظمة تسجيل الحالات، إضافة إلى ازدياد عوامل الخطر الوعائية والاستقلابية في المجتمعات مثل السكري والسمنة وارتفاع ضغط الدم.
وأكد أن ما يلاحظ فعليا اليوم في العشرينات والثلاثينات هو زيادة الشكوى من ضعف الذاكرة والتركيز، لا زيادة مؤكدة في الخرف الحقيقي.
ووفق الزريقي فإن الفارق الجوهري بين الحالتين يتمثل في أن الخرف الحقيقي، هو تدهور مستمر ومتدرج يؤثر على استقلالية الشخص ووظائفه اليومية، بينما يكون النسيان المرتبط بنمط الحياة متذبذبا، يزداد مع الضغط وقلة النوم ويخف مع الراحة، ولا يدمر القدرة على إدارة شؤون الحياة.
وتابع بأنه في الخرف الحقيقي، غالبا ما تظهر علامات واضحة مثل تراجع إدراكي متقدم خلال أشهر أو سنوات، وتأثر واضح بالوظائف اليومية كإدارة المال، والعمل، والطبخ، والقيادة، والالتزام بالمواعيد، وأخطاء نوعية متكررة مثل تكرار نفس السؤال، أو الضياع في أماكن مألوفة، أو صعوبة اتباع خطوات معتادة، وأحيانا قد تكون البداية سلوكية أو شخصية، كما في الخرف الجبهي الصدغي.
أما في نسيان نمط الحياة، لفت إلى أن المشكلة الأساسية تكون ضعف الانتباه والتركيز أكثر من ضعف الذاكرة نفسها، ويعبر المرضى عادة عن شعورهم بالتشتت أو الامتلاء الذهني، وتتحسن الأعراض مع النوم الكافي، وتنظيم اليوم، وتقليل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وعلاج القلق والاكتئاب سلوكيا أو دوائيا.
وبين أن السنوات الأخيرة شهدت تطورا مهما في معايير تشخيص الزهايمر، لا سيما بعد صدور تحديثات عام 2024 من المعهد الوطني للشيخوخة وجمعية الزهايمر، والتي باتت تميل إلى التعريف البيولوجي للمرض عبر المؤشرات الحيوية، وليس فقط عبر الأعراض السريرية.
وشدد الزريقي على أن هذا التطور لا يعني أن أي نسيان بسيط يعد الزهايمر، كما لا ينصح بإجراء فحوص المؤشرات الحيوية للأشخاص الذين لا يعانون من ضعف إدراكي واضح، خارج إطار بحثي أو تقييم تخصصي دقيق.
وحول تأثير الاستخدام المفرط للشاشات، أوضح أن الأمر لا يؤدي إلى "خرف مباشر"، لكنه قد يخلق بيئة عصبية سلبية تتمثل في ضعف التركيز نتيجة الاعتياد على المحتوى السريع، وتدهور النوم خاصة عند استخدام الهاتف قبل النوم، وضعف تثبيت الذاكرة، إضافة إلى التأثير على دوائر المكافأة والدوبامين، ما قد يعزز السلوك القهري لدى بعض الأشخاص.
ونوه إلى أن التنقل السريع بين المحتويات يقلل من الترميز العميق للمعلومات، ويزيد التشتت، ويجعل الدماغ أقل صبرا على المهام التي تتطلب تركيزا متواصلا.
واعتبر الزريقي أن النوم عنصر أساسي في بناء الذاكرة، وليس مجرد راحة، مشيرا إلى أن الحرمان من النوم، حتى على مدى أيام متتالية، يؤثر سلبا على القدرة على التعلم والتذكر.
كما نبه إلى أن القلق والتوتر المزمنين يؤثران على الانتباه والمزاج والنوم، وأن الاكتئاب مدرج ضمن عوامل خطر الخرف على مستوى السكان، مع التأكيد على أن ليس كل من يعاني من القلق معرضا للإصابة بالخرف.
ولفت إلى أن النسيان الطبيعي يشمل نسيان اسم ثم تذكره لاحقا، أو نسيان سبب دخول غرفة، خاصة مع التشتت، بينما تشمل علامات الخطر التدهور المتسارع خلال أشهر، وتكرار نفس الأسئلة دون إدراك، وارتكاب أخطاء مالية أو دوائية جديدة، والضياع في أماكن مألوفة، أو ملاحظة تغير واضح في الشخصية والأداء من قبل المحيطين.
وأشار الزريقي إلى أن مراجعة طبيب الأعصاب تصبح ضرورية فورا عند وجود تدهور إدراكي سريع، أو تغير سلوكي شديد، أو أعراض عصبية مرافقة، أو تاريخ عائلي قوي مع أعراض مبكرة جدا.
وأوضح أنه لا يوجد فحص واحد يكشف الخرف، إذ يعتمد التشخيص على القصة السريرية الدقيقة، والفحص العصبي، والاختبارات المعرفية، والتحاليل لاستبعاد الأسباب القابلة للعلاج، إضافة إلى تصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي عند الحاجة، محذرا من أن الإفراط في الفحوصات دون مبرر قد يسبب قلقا صحيا غير ضروري.
وبالنسبة للوراثة، أكد أنها تلعب دورا في بعض الحالات، لكنها ليست القاعدة، مؤكدا أن نمط الحياة الصحي قادر على خفض الخطر وتأخير ظهور المرض حتى مع وجود استعداد وراثي، مستشهدا بدراسات حديثة أظهرت أهمية ضبط الضغط، وعلاج الاكتئاب، وخفض الكولسترول، وممارسة النشاط البدني، ومعالجة ضعف السمع عند وجوده.
وحدد الزريقي خمس عادات يومية أساسية لحماية الدماغ، هي النوم المنتظم والكافي، والنشاط البدني الهوائي معظم أيام الأسبوع، بالإضافة إلى الغذاء المتوازن القريب من النمط المتوسطي، وتقليل استخدام الشاشات خصوصا قبل النوم، والنشاط الذهني والاجتماعي الحقيقي.
ووجه رسالة إلى الشباب قائلا "لا تخافوا من كلمة خرف كلما نسيتم اسما أو شعرتم بالتشتت، لكن خذوا صحة دماغكم بجدية، فالعشرينات والثلاثينات هي مرحلة بناء الاحتياطي المعرفي الذي يحميكم لاحقا، اضبطوا نومكم، خففوا التمرير اللانهائي، مارسوا الرياضة، وامنحوا يومكم تركيزا حقيقيا، وعندما يصبح النسيان متزايدا ومؤثرا على الحياة، فالمراجعة الطبية خطوة ذكية ومطمئنة".