أداء مصرفي يعزز مكانة المملكة كمركز مالي إقليمي مستقر
شكل عام 2025 محطة محورية في مسار تطور القطاع المصرفي الأردني، إذ أثبت القطاع قدرته العالية على الصمود والتكيف في ظل بيئة إقليمية ودولية معقدة، تميزت بتصاعد المخاطر الجيوسياسية، واستمرار الضغوط على الأسواق المالية العالمية، وتباين السياسات النقدية، إلى جانب التسارع غير المسبوق في التحولات الرقمية وتنامي متطلبات التمويل الأخضر والمستدام. ورغم هذه التحديات، واصل القطاع المصرفي الأردني تسجيل أداء قوي ومتوازن، مدعوماً بملاءة مالية مرتفعة، ومستويات مريحة من السيولة وكفاية رأس المال، وإدارة حصيفة للمخاطر الائتمانية والتشغيلية. وقد مكّن هذا الأداء البنوك من الاستمرار في القيام بدورها المحوري في دعم الاستقرار النقدي والمالي، وتعزيز الثقة بالمنظومة المصرفية، وضمان استمرارية تدفق الائتمان إلى مختلف القطاعات الاقتصادية.
اضطلع القطاع المصرفي الأردني بدور محوري كقوة تمكين رئيسية لدعم تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي، من خلال مشاركة فعالة وممنهجة في مختلف مراحل المتابعة والتقييم وصياغة السياسات المرتبطة بها. وقد انعكس هذا الدور في التزام البنوك ليس فقط بتمويل النمو الاقتصادي، بل بالمساهمة المباشرة في توجيه مساراته وتعزيز فاعلية أدواته التنفيذية. وفي هذا الإطار، شارك ممثلو القطاع المصرفي بفاعلية عالية في ورش عمل المرحلة الثانية من رؤية التحديث الاقتصادي، التي عُقدت في الديوان الملكي الهاشمي، بهدف تقييم مستوى التقدم في المرحلة الأولى (2023–2025)، واستعراض التحديات والدروس المستفادة، وبلورة توصيات عملية لدعم أولويات المرحلة الثانية (2026–2029)، بما يعزز الأثر الاقتصادي والاجتماعي للرؤية. كما ساهم عدد من الخبراء المصرفيين والمتخصصين في جلسات العمل القطاعية الخاصة بإعداد البرنامج التنفيذي الثاني للرؤية، والتي عُقدت برئاسة الوزراء، حيث ركزت هذه الجلسات على ترجمة مخرجات ورش الديوان الملكي إلى برامج تنفيذية ومشاريع واضحة، قابلة للتطبيق والقياس، مع تحديد الأدوار والمسؤوليات ومؤشرات الأداء ذات الصلة.
وقد أبرزت مؤشرات المتانة المالية للبنوك الأردنية خلال النصف الأول من عام 2025 قوة القطاع وقدرته على مواجهة التحديات، حيث سجلت نسبة الديون غير العاملة 5.8%، ونسبة تغطية الديون غير العاملة 71.3%، ونسبة كفاية رأس المال 18.0%، ونسبة السيولة القانونية 142.4%، بينما بلغ العائد على حقوق المساهمين 11.5% والعائد على الموجودات 1.3%. وتعكس هذه المؤشرات جودة محافظ الائتمان وفعالية سياسات إدارة المخاطر، وقدرة البنوك على امتصاص الصدمات، مما يعزز الثقة بالقطاع المصرفي واستدامة أدائه. كما ساهمت السياسات النقدية والرقابية الحصيفة للبنك المركزي الأردني في ترسيخ الاستقرار النقدي والحفاظ على سلامة الجهاز المصرفي.
وشهد عام 2025 تطوراً نوعياً في مستوى الحوار المؤسسي بين البنوك والجهات الرقابية، خاصة البنك المركزي الأردني، حيث كثفت اللقاءات التنسيقية وورش العمل المشتركة، ما عزز نهج التشاور المسبق في صياغة السياسات النقدية والرقابية، وأسهم في رفع مستوى الفهم المتبادل للتحديات والفرص، خصوصاً فيما يتعلق بإدارة المخاطر، والحوكمة، والتحول الرقمي، والامتثال التنظيمي. وفي نفس الوقت، تحولت الحوكمة المصرفية في الأردن إلى ركيزة استراتيجية فاعلة، تعزز جودة صنع القرار وتدعم الاستدامة المؤسسية، حيث ساهمت أطر الحوكمة المتقدمة في توجيه المجالس واللجان لمراقبة المخاطر وضمان مواءمة القرارات التشغيلية مع الأهداف طويلة الأمد، بما في ذلك الاعتبارات المالية والرقابية والبيئية والاجتماعية.
اضطلعت البنوك الأردنية بدور محوري في دعم النشاط الاقتصادي، عبر توجيه التمويل نحو القطاعات ذات القيمة المضافة، من الصناعة والتجارة والسياحة والطاقة إلى تكنولوجيا المعلومات، حيث بلغت موجودات البنوك حتى تشرين الأول 2025 نحو 73.15 مليار دينار (175.8% من الناتج المحلي الإجمالي)، وإجمالي الودائع 49.33 مليار دينار (118.5% من الناتج المحلي الإجمالي)، والتسهيلات الائتمانية 36.1 مليار دينار (86.8% من الناتج المحلي الإجمالي). وقد استفاد نحو 1.5 مليون عميل من التسهيلات المصرفية، ما يعكس اتساع قاعدة المستفيدين وتعزيز الشمول المالي. وحرصت البنوك على دعم البعد الاجتماعي أيضاً، حيث خصصت نحو 90 مليون دينار لدعم قطاعي الصحة والتعليم، وأطلقت حملة تمويلية وطنية بقيمة 200 مليون دينار لتمكين المواطنين من شراء المساكن لأول مرة، ما يعكس التزام القطاع بالمساهمة في التنمية الشاملة والاستقرار الاجتماعي.
وعلى صعيد التوسع الإقليمي، شهد القطاع المصرفي عمليات اندماج واستحواذات لتعزيز الكفاءة التشغيلية والقوة التنافسية، بما في ذلك فتح فروع في أسواق إقليمية كالعراق، واستحواذات في مؤسسات مصرفية في مالطا، لدعم التوسع الدولي وزيادة مصادر الدخل. وقد ساهم الأداء المتماسك والمتوازن للبنوك الأردنية في تعزيز مكانة المملكة كمركز مصرفي إقليمي مستقر، وجذب اهتمام المؤسسات المالية الدولية لتوسيع التعاون والتمويل المشترك، ما يؤكد الدور المحوري للبنوك الأردنية كركيزة للاستقرار المالي الإقليمي.
كما واصل القطاع تعزيز الشمول المالي من خلال التوسع في الخدمات المصرفية الرقمية، بما في ذلك نظام الفواتير الإلكترونية eFAWATEERcom، ونظام الدفع الفوري CliQ، والمحافظ الإلكترونية، وخدمات الإنترنت والموبايل المصرفي، وبطاقات الدفع اللاتلامسية، ومنصات التجارة الإلكترونية، مما أدى إلى بناء منظومة مالية رقمية أكثر كفاءة وشمولاً. إلى جانب ذلك، ركز القطاع على تطوير رأس المال البشري المصرفي من خلال برامج تدريبية متخصصة وورش عمل وشراكات مع الجامعات، لتعزيز القدرات في التحول الرقمي وإدارة المخاطر والحوكمة، بما يدعم استدامة الأداء وقدرة البنوك على التكيف مع المتغيرات. كما برز التمويل الأخضر ضمن أولويات البنوك الأردنية، مع إطلاق منتجات صديقة للبيئة وعقد شراكات مع مؤسسات تمويل دولية، بما يعزز الاقتصاد الأخضر ويخفف المخاطر البيئية ويحقق التنمية المستدامة.
واعتمدت البنوك خطاباً إعلامياً مهنياً ومسؤولاً، يعرض الحقائق والمؤشرات المالية بدقة، ويعزز الشفافية والمساءلة، ويسهم في رفع مستوى الوعي المالي لدى المجتمع، وبناء الثقة مع المتعاملين والمستثمرين. ويدخل القطاع المصرفي الأردني عام 2026 على أرضية راسخة من المتانة والاستقرار، مع تركيز على تعزيز الحوكمة والمرونة المؤسسية، وتعميق أثر التمويل الاقتصادي والقطاعات الإنتاجية، وتوسيع الابتكار المالي والتحول الرقمي، وتعزيز التمويل الأخضر والمستدام، لتظل البنوك شريكاً استراتيجياً في تنفيذ الأولويات الوطنية، وداعماً رئيسياً للاستقرار النقدي والمالي، ومحركاً للتنمية الاقتصادية المستدامة، مع تعزيز مكانة الأردن كمركز مصرفي ومالي إقليمي موثوق.