إعادة التدوير.. خيار اقتصادي وبيئي مؤجل
يشكّل ملف إلقاء النفايات ومخلّفات الأبنية والطمم على جوانب الطرق، وفي المناطق المأهولة وغير المأهولة، إلى جانب واقع مكبّات النفايات، واحدة من أكثر القضايا البيئية إلحاحًا على مستوى المملكة، لما تحمله من أبعاد متشابكة تمسّ البيئة والصحة العامة والاقتصاد والمشهد الحضري والنسيج الاجتماعي.
وانطلاقًا من أهمية القضية، خصّصت الرأي ملفا صحفيا موسعا لتسليط الضوء على هذه الظاهرة في مختلف محافظات المملكة، من الشمال إلى الجنوب، ومن المدن إلى الأطراف والطرق الخارجية، من خلال رصد الواقع الميداني، والاستماع إلى الجهات الرسمية والبلدية، وآراء المختصين، وممثلي المجتمع المحلي.
وتعاطت الرأي مع هذا الملف بوصفه قضية وطنية جامعة، لا تقتصر على محافظة أو لواء بعينه، بل تعكس تحديًا بنيويا في منظومة إدارة النفايات ومخلفات البناء، وتكشف فجوة واضحة بين التشريعات القائمة ومستوى تطبيقها على أرض الواقع.
وأبرزت التغطيات الأثر المباشر لهذه الممارسات على البيئة الطبيعية، من تلوّث التربة والمياه الجوفية، وانتشار الحشرات والقوارض، إلى ما تسببه من مخاطر صحية ومرورية، فضلا عن الكلف الاقتصادية المتراكمة التي تتحمّلها البلديات، واستنزاف مواردها المحدودة، وتشويه الصورة الجمالية والحضارية للمناطق المتضررة.
وأكد الملف أهمية الانتقال من المعالجات الجزئية والمؤقتة إلى مقاربة شمولية، تقوم على تشريعات نافذة ورادعة تُطبّق بعدالة وحزم، بالتوازي مع تعزيز الوعي المجتمعي، وتوفير البنية التحتية اللازمة للتعامل مع النفايات والأنقاض، وتكامل أدوار الحكومة والبلديات والمجتمع المدني والإعلام.
ويبقى الوعي المجتمعي عنصرا حاسما لا يقل أهمية عن التشريع، إذ لا يمكن لأي منظومة قانونية أن تنجح دون شراكة حقيقية مع المواطنين والقطاع الخاص، تقوم على ترسيخ ثقافة احترام المكان العام باعتباره ملكا للجميع، ومسؤولية مشتركة لا تحتمل التساهل.
فمواجهة هذه الظاهرة، بحسب ما خلص إليه الملف، لا يمكن أن تتحقق بالعقوبات وحدها، ولا بالتوعية المجردة، بل عبر منظومة متكاملة تجعل حماية البيئة مسؤولية جماعية وسلوكًا يوميًا راسخًا، بما يضمن بيئة آمنة ومستدامة للأجيال القادمة.