في مشهد يومي متكرر ، وبين لهيب الأسعار المتصاعد، تمضي المقدسية أم فادي بخطوات مترددة بين البسطات والدكاكين في بلدة القدس القديمة، تحمل في يدها قائمة صغيرة لمشترياتها اليومية،تقلّصت شيئاً فشيئاً مع كل موجة غلاء. فهي لم تعد تبحث سوى عمّا يسدّ رمق أسرتها، بعدما صار شراء الأساسيات معركة يومية تحتاج لحساب دقيق.
تقول أم فادي لـالرأي، وهي تقارن الأسعار بيأس كبير: «كل شيء من البضائع باتت أسعاره مرتفعة. الخضار، المواد الغذائية، حتى الأشياء البسيطة. مما جعلنا نختصر رغباتنا اليومية وحتى حاجاتنا الضرورية.
وفي كل زيارة لها لمدينة القدس تلحظ علا التميمي تضاعف الأسعار عن العام الذي يسبقه،حيث يصل كيلو اللحوم إلى ثلاثين دينار على سبيل المثال،اما أصناف الخضار الضرورية فلا تقل عن أربعة دنانير، وبالنسبة للمطاعم فأصبحت أشبه برفاهية اذا ما رغب المقدسي بشراء ما يشتهيه من مأكولات،حيث يمكن أن يصل سعر طبق بسيط جدا لما يقارب عشرين دينارا. وهذا جعل المقدسي يقلص وجباته اليومية لتتماشى مع هذه الظروف.
مشاهد قد تبدو بسيطة، لكنها تلخص الكثير من التحديات المعيشية التي يواجهها المقدسيون، حين تتحول أبسط الاحتياجات إلى عبء يومي، وحين تصبح لقمة الطعام مرآة لأزمة أعمق لهم.
أسباب عديدة وظروف شديدة جعلت موضوع الأمن الغذائي من أهم المعاناة اليومية التي تلامس اغلب الشرائح هناك من عائلات وتجار ومزارعين.
وبحسب احصاءات حديثة لبرنامج الغذاء العالمي ديسمبر 2024 فقط ارتفعت نسبة انعدام الامن الغذائي في القدس الشرقية من 67% إلى 82% من بداية الحرب على غزة، مع ازدياد نسبة الاسر المقدسية التي تعتمد على المساعدات الغذائية الطارئة بنسبة 56%.
يروي أحد تجار الخضار للرأي قائلا:» بسبب القيود المفروضة علينا أصبحت كثير من البضاعة تصلنا متأخرة، خاصة الخضار فقد تتأخر علينا ساعات طويلة مما يسبب تلفها، كما أن القدرة الشرائية انخفضت بشكل ملحوظ عند العائلات، وناهيك عن ارتفاع الاسعار والمشكلة الأكبر هي بعدم استقرارها، فاليوم نستلم بضاعة بسعر معين لنتفاجأ في اليوم الثاني انها ارتفعت».
ويضيف: «كما أن هناك معاناة يومية بانقطاع بعض السلع لأيام ومعاودتها ولكن بكميات قليلة وسعر أعلى وهذا يجعل التخطيط امرا صعباً بالنسبة لنا، فلا نستطيع تحديد الكميات المطلوبة من البضاعة او الكميات المخزنة ولا حتى تحديد الاسعار، فالاسواق غير مستقرة وهذا ما ينعكس على التاجر والمستهلك معًا».
ويشاركه الرأي أحد تجار المواد التموينية قائلا:» الضرائب أثقلت كاهلنا بشكل مبالغ مع تنوعها مثل ضريبة اللافتة، ضريبة النفايات، وغيرها، فاحيانا كثيرة يذهب العائد اليومي من البيع لتغطية هذه الضرائب، وهذا ما يسبب ارتفاع الاسعار، فكثير من التجار اضطروا لاغلاق محلاتهم نظرا لما يواجهونه من تحديات، ولغياب الربح الفعلي جراء الفقر وضعف الأسواق وارتفاع الأسعار.
وبحسب خبير الأمن الغذائي د.فاضل الزعبي «فإن كلفة السلة الغذائية في القدس أعلى بنسبة تتراوح بين 25 و35 بالمئة مقارنة بباقي المدن الفلسطينية، في وقت تنفق فيه الأسر الفقيرة أكثر من 85 بالمئة من دخلها على الغذاء والسكن فقط، ما يجعلها شديدة الهشاشة أمام أي ارتفاع جديد في الأسعار».
تحديات المزارعين خلف الجدار الفاصل
ويلعب تراجع قطاع الزراعة في القدس دوراً هاماً في تراجع الأمن الغذائي، وينطوي تحتها أسباب عديدة أدت لتراجعها، فيروي المزارع نبيل الصاحب إلى الرأي معاناته في الوصول إلى أرضه الواقعة خلف الجدار ويقول :» لا أستطيع الوصول إلى أرضي المزروعة بها إلا بتصريح مؤقت، بسبب الجدار الفاصل عنا،ولا نستطيع الوصول إليها إلا بشروط صارمة وعادة ما يكون التصريح موسمي و مؤقت مثل موسم قطاف الزيتون وغيرها.
وهذه التصاريح تتبع لمزاج السلطات الاسرائيلية فعلى الرغم من الحصول عليه، قد يغلق المعبر أو يتأخر فتحه مما يجعل المزارع يخسر أيام عمل مواسم حصاد طال انتظارها. كما حصل مع المزارع ابو اشرف والذي تأخر حصوله عليه ليجد محصوله قد تلف وهذا بالتأكيد يؤثر على دخل المقدسيين ومعيشتهم.
ويتابع قائلا: «كما أن المزارعين يعانون من إتلاف متعمد لمحاصيلهم بعد نضوجها وهذا يمثل خسارة مركبة لهم.ومن التحديات التي تواجه المزارعين ايضا صعوبة نقل الانتاج الزراعي إلى داخل القدس بسبب نقاط التفتيش مما يرفع التكلفة ويقلل من أرباحهم.بالإضافة لشح المياه وصعوبة الحصول عليها لري المزروعات وغيرها».
ويكشف المجلس النرويجي للاجئين في تقرير حديث أن 65% من المزارعين المقدسيين عاجزين عن الوصول إلى أراضيهم الزراعية، حيث دمر ما يقارب 40% من المحاصيل الشتوية بسبب نقص العناية والعمالة.
غزة والقدس... اقتصاد واحد يتألم
كان الثلاثيني وائل عطية يعمل في أحد مطاعم القدس العربي،ولكن وبسبب تشديد الوقود الأمنية وكغيره من الشباب فقد عمله منذ أكثر من عام ونصف ولم يستطع العثور على عمل ملائم لينضم لصفوف العاطلين عن العمل مما أثر على دخله ليتغير نمط استهلاك عائلته من المواد الغذائية وغيرها من الحاجات.
وتشير جمعية العمال الفلسطينيين إلى أن 15000 عامل مقدسي فقدوا مصادر رزقهم بسبب اغلاق المعابر حيث أن 92% من هذه العائلات أصبحت تعتمد على المساعدات الإنسانية.
وتحمل حرب غزة تأثيرا واضحا على تراجع الأمن الغذائي في القدس وفقا لتقرير اتحاد تجار القدس فإن 75 % من البضائع التي كانت تصل من غزة ومن خلالها توقفت بالكامل كما أن 60 من المحال التجارية في القدرس الشرقية تعاني من نقص حاد في البضائع الفلسطينية مع انخفاض كمية الفواكه والخضار المحلية الطازجة الواصلة للقدس بنسبة 70%.
ويوضح الخبير الاقتصادي حسام عايش بعضا من الأسباب التي تلعب دورا هاما في هذه المشكلة المعيشية حيث: «تفرض السلطات الإسرائيلية قيودا كبيرة على حركة البضائع، مما يجعل القدس سوقًا معزولة اقتصاديًا، وتعتمد بشكل كبير على البضائع الإسرائيلية مرتفعة الثمن، مما يقلل من قدرة السكان على الحصول على غذاء متنوع وبأسعار معقولة. وهذا التحكم في حركة البضائع مما يرفع كلفة النقل ويحد من وصول المنتجات الطازجة للاسواق إجراءات الفحص الأمني الطويلة والمعقدة التي تزيد كلفة النقل على التجار والمزارعين.
وكذلك تحديد كميات معينة من السلع المسموح بإدخالها إلى القدس، ما يؤدي إلى نقص في بعض الأصناف أو ارتفاع أسعارها».
وتبين النشرة النصف سنوية ( انعدام الأمن الغذائي-معهد ماس 2024 لعام 2024 أن القدس الشرقية من المناطق الأعلى تكلفة في الغذاء والإسكان.
حيث تنفق الأسر ذات الدخل المحدود أكثر من 45% من دخلها الشهري على الغذاء.
وبحسب د.الزعبي فإن » منع تفاقم انعدام الأمن الغذائي في القدس يتطلب تحركًا متعدد المستويات، يبدأ بدور فاعل للمؤسسات المحلية في دعم صمود الأسر المقدسية من خلال برامج منتظمة وغير موسمية، مثل القسائم الغذائية والتحويلات النقدية، وتعزيز المطابخ المجتمعية في الأحياء الأكثر تضررًا. كما يبرز دعم الإنتاج الغذائي المحلي كأحد الحلول الجوهرية، لا سيما عبر تشجيع الزراعة الحضرية على أسطح المنازل والحدائق الصغيرة، ودعم التعاونيات النسوية المنتجة للغذاء، لما لذلك من دور في تقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية وتعزيز الاكتفاء الذاتي الجزئي. ويُعد بناء قواعد بيانات دقيقة ومحدثة للأسر الأكثر هشاشة عنصرًا أساسيًا لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بكفاءة وعدالة».
ويضيف د. الزعبي » أما على مستوى المؤسسات الدولية، فإن المطلوب هو الانتقال من الاستجابة الطارئة قصيرة الأمد إلى برامج حماية غذائية مستدامة، عبر تمويل طويل الأجل يستجيب لطبيعة القدس كمدينة ذات كلفة معيشية مرتفعة وسياق سياسي استثنائي. وتبرز أهمية توسيع برامج التحويلات النقدية، التي أثبتت فعاليتها في البيئات الحضرية، حيث تُعد أكثر كفاءة بنسبة تتراوح بين 20 و30 بالمئة مقارنة بالمساعدات العينية، فضلًا عن دورها في الحفاظ على كرامة الأسر المستفيدة وتنشيط الاقتصاد المحلي. إلى جانب ذلك، يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية قانونية وأخلاقية في حماية الحق في الغذاء، من خلال توثيق القيود المفروضة على وصول الفلسطينيين للغذاء ورفعها إلى المحافل الدولية باعتبارها انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني».
«وفي ظل الارتفاع المستمر في أسعار الغذاء، يُعد التدخل الأسرع والأكثر تأثيرًا هو تقديم دعم نقدي مباشر للأسر المقدسية، بقيمة تتراوح بين 120 و180 دولارًا شهريًا للأسرة الواحدة، وهي قيمة تغطي نحو 40 إلى 50 بالمئة من كلفة السلة الغذائية الأساسية في القدس. هذا النوع من التدخلات يتميز بسرعة التنفيذ وانخفاض الكلفة التشغيلية، كما يمنح الأسر حرية الاختيار ويقلل من اعتمادها على المساعدات الطارئة غير المنتظمة. وبالتوازي، لا بد من توفير سلال غذائية مدعومة للفئات الأشد هشاشة، خصوصًا الأسر التي لا تمتلك دخلًا ثابتًا أو التي تعيلها نساء، حيث تتجاوز قيمة السلة الغذائية الشهرية في القدس حاليًا 90 إلى 110 دولارات».
كما تمثل حماية الأطفال والطلبة محورًا بالغ الأهمية في أي استجابة سريعة، من خلال برامج تغذية مدرسية أو قسائم غذائية مخصصة للأطفال، إذ تشير الدراسات إلى أن كل دولار يُستثمر في تغذية الأطفال يحقق عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا يصل إلى تسعة دولارات على المدى المتوسط. وإلى جانب ذلك، تبرز الحاجة إلى إنشاء آلية رصد واستجابة سريعة لأسعار الغذاء في القدس، تقوم على المتابعة الأسبوعية للأسواق وتفعيل تدخل تلقائي عند تسجيل ارتفاعات حادة تتجاوز 10 إلى 15 بالمئة خلال فترات قصيرة، بما يمنع تآكل القدرة الشرائية للأسر قبل وصولها إلى مرحلة العوز الحاد.
ظواهر اجتماعية جديدة
ولأن الغذاء يعد عصب الحياة وغياب الأمن المتعلق به يولد مشاكل اجتماعية ونفسية تفاقمت في الآونة الأخيرة فوفقاً «لجمعية الإغاثة الإسلامية»: فإن انتشار ظاهرة «الأسواق الشعبية» لبيع المواد الغذائية منتهية الصلاحية وتزايد حالات التسول بنسبة 300% كما أن 25% من الطلاب تركوا مدارسهم للمساعدة في تأمين قوت عائلاتهم.اما من الناحية النفسية تشير «جمعية أطباء النفس في القدس» إلى أن 78% من المقدسيين يعانون من القلق المستمر بشأن توفير الغذاء وارتفاع حالات الاكتئاب المرتبطة بانعدام الأمن الغذائي إلى 65%.
إن الأمن الغذائي في القدس لم يعد مجرد قضية فقر أو إغاثة، بل هو قضية حق وصمود وبقاء. والحلول الحقيقية لا تكمن في المساعدات الموسمية أو الرمزية، بل في تدخلات نقدية سريعة، ودعم الإنتاج المحلي، والتزام دولي جاد بحماية الحق في الغذاء، بما يضمن كرامة الإنسان المقدسي وقدرته على الصمود في واحدة من أعلى مدن المنطقة كلفةً للعيش.