أكثر الفئات عرضة لمخاطر سوء الالتزام الدوائي
هلسة: الإهمال قنبلة صحية صامتة تهدد حياتهم
أكدت مديرة مديرية الصيدلة والصيدلة السريرية السابقة في وزارة الصحة الدكتورة زينة هلسة، أن الالتزام الدوائي لدى كبار السن يشكل أحد أعمدة السلامة الصحية محذرة من التهاون بذلك.
وأضافت في تصريح إلى "الرأي" أن التهاون في تناول الأدوية أو سوء استخدامها لدى كبار السن، قد يحول العلاج من وسيلة للشفاء إلى سبب مباشر لمضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى دخول المستشفى أو فقدان الاستقلالية الوظيفية.
وبينت هلسة أن كبار السن يعدون من أكثر الفئات عرضة لمخاطر سوء الالتزام الدوائي، نظرا لما يعانونه من أمراض مزمنة متعددة تستلزم تناول عدة أدوية يوميا، إضافة إلى التغيرات الفسيولوجية المرتبطة بالعمر، والتي تؤثر على امتصاص الدواء واستقلابه وطرحه من الجسم.
وأوضحت أن مفهوم الالتزام الدوائي لا يقتصر على تناول الدواء فقط، بل يشمل الالتزام بالجرعة الصحيحة، والتوقيت المحدد، ومدة العلاج الكاملة، وتعليمات الطعام، والتعامل السليم مع الاثار الجانبية، مشيرة إلى أن أي خلل في هذه العناصر قد ينعكس سلبا على فعالية العلاج.
واعتبرت أن الالتزام الدوائي يسهم بشكل مباشر في تحسين السيطرة على الأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، وتقليل المضاعفات الصحية الخطيرة كالجلطات والسكتات الدماغية، وخفض الحاجة إلى مراجعات الطوارئ والدخول المتكرر للمستشفيات، إضافة إلى تحسين جودة حياة كبار السن وقدرتهم على الحركة والنشاط، وتقليل الأعباء الاقتصادية على المرضى والنظام الصحي.
وأشارت هلسة إلى أن كبار السن يواجهون تحديات صحية معقدة، أبرزها الانتشار الواسع للأمراض المزمنة مثل أمراض القلب، وهشاشة العظام، والتهاب المفاصل، وأمراض الجهاز التنفسي، ما يتطلب علاجا طويل الأمد ومتابعة دقيقة.
وأضافت أن التقدم في العمر يصاحبه انخفاض في كفاءة الكلى والكبد، مما يؤدي إلى بطء التخلص من الأدوية وزيادة خطر السمية الدوائية والتداخلات بين الأدوية، خاصة عند تناول أكثر من دواء في الوقت ذاته.
وحذرت هلسة من ظاهرة تعدد الأدوية (Polypharmacy)، والتي تعني تناول خمسة أدوية أو أكثر بشكل روتيني، سواء كانت موصوفة طبيا أو من دون وصفة أو حتى مكملات غذائية.
وتابعت بأن تعدد الأدوية يزيد من حتمالية نسيان الجرعات أو الخلط بينها، وخطر التداخلات الدوائية، والاثار الجانبية مثل الدوخة وهبوط الضغط أو السكر، ناهيك عن احتمالية السقوط، الذي يعد من أخطر ما يواجه كبار السن لما قد يسببه من كسور وإصابات جسيمة.
وبينت أن ضعف الالتزام الدوائي لدى كبار السن يعود إلى عدة عوامل، من أبرزها ضعف الذاكرة وصعوبات الإدراك، والاثار الجانبية التي تدفع المريض لإيقاف الدواء دون استشارة، كذلك صعوبة بلع الأقراص الكبيرة أو استخدام بعض الأشكال الدوائية كالبخاخات وقطرات العين والحقن، ونقص الوعي بأهمية الدواء وسبب وصفه،
والعبء المادي الذي قد يدفع بعض المرضى لتقليل الجرعات أو إيقاف العلاج.
وأكدت هلسة أن تحسين الالتزام الدوائي يتطلب تكاملا حقيقيا بين الطبيب والصيدلي والأسرة، مشددة على أن لكل طرف دورا لا يمكن الاستغناء عنه.
وأوضحت أن الصيدلي يلعب دورا محوريا في التثقيف الدوائي، من خلال شرح طريقة الاستخدام، والجرعات، والتعامل مع نسيان الجرعة، ورصد التداخلات الدوائية، إضافة إلى تدريب كبار السن على الاستخدام الصحيح للأدوية المختلفة.
كما شددت على أهمية دور الطبيب في تبسيط الخطة العلاجية قدر الإمكان، واختيار أدوية طويلة المفعول أو دمج أكثر من مادة فعالة في حبة واحدة عند الإمكان، ومتابعة الاثار الجانبية وتعديل العلاج حسب الحاجة.
وبخصوص الأسرة، لفتت هلسة إلى أنها خط الدفاع الأول، من خلال تنظيم الأدوية باستخدام علب تقسيم أسبوعية، أو جداول يومية، أو تطبيقات تذكير، ومتابعة التزام المريض بالعلاج.
ونوهت إلى أن الالتزام الدوائي ليس عبئا إضافيا على كبار السن، بل هو استثمار حقيقي في صحتهم واستقلاليتهم وجودة حياتهم، داعية إلى تعزيز الوعي الدوائي والمتابعة المستمرة لحماية هذه الفئة من المضاعفات الخطيرة وضمان شيخوخة أكثر أمانا واستقرارا.