اعتداءات متواصلة في الضفة الغربية
هدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، أمس الأربعاء، منزلين في حي الصلعة ببلدة جبل المكبر جنوب شرق القدس المحتلة، قرب حاجز الشيخ سعد، بحجة عدم الترخيص، استمراراً لسياسات الهدم التي تطال الأحياء الفلسطينية في المدينة.
وأفادت محافظة القدس بأن المنزل الأول يعود للمواطن محمود تركي حسين، وتبلغ مساحته 45 مترًا مربعًا ويأوي أربعة أفراد، فيما يعود المنزل الثاني لشقيقه وسيم، ويأوي خمسة أفراد، من بينهم شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة، ما فاقم من الأبعاد الإنسانية لعملية الهدم.
وأظهرت مقاطع فيديو متداولة جانبًا من عملية الهدم، حيث كان أحد المنزلين قيد الإنشاء، فيما كان الآخر مسكنًا مأهولًا لعائلة المشاهرة، في مشهد يعكس حجم الأضرار التي تلحق بالعائلات المقدسية.
وفي سياق متصل بانتهاكات الاحتلال في القدس، اقتحمت قوات الاحتلال وبلديتها، حي عويس في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى المبارك، حيث جرى توثيق الأبنية والمنازل ومسجد الحي، كما علّقت القوات أمر مراجعة للبلدية على باب المسجد.
وأظهرت إحصائيات محافظة القدس أن شهر تشرين الثاني شهد تنفيذ 27 عملية هدم وتجريف في المدينة، بينها خمس عمليات هدم ذاتي، و21 عملية هدم نفذتها آليات الاحتلال، إضافة إلى عملية تجريف واحدة، في تصعيد لافت لسياسات الهدم.
وفي محافظة رام الله، أقدم مستوطنون على إحراق منزل يعود للمواطن جدال قدور في بلدة المزرعة الشرقية، وفق ما أفادت به منظمة «البيدر» الحقوقية، ضمن سلسلة اعتداءات متواصلة تستهدف أمن واستقرار السكان الفلسطينيين.
كما اقتحم مستوطنون، صباح الأربعاء، تجمع شلال العوجا البدوي شمال أريحا، وأطلقوا مواشيهم بشكل متعمد أمام بيوت الفلسطينيين، في محاولة لاستفزاز السكان وإثارة الصدام، وذلك في إطار سياسات التهجير الاستيطاني الرعوي المدعومة من حكومة الاحتلال.
وأمام الجرائم المتواصلة التي يرتكبها جيش الاحتلال في مخيم نور شمس شمال الضفة الغربية، نظرت المحكمة الإسرائيلية العليا، أمس الأربعاء، في التماس عاجل ضد قرار عسكري يقضي بهدم عشرات المباني السكنية في مخيم نور شمس للاجئين شرقي طولكرم شمالي الضفة الغربية المحتلة، وسط تحذيرات حقوقية من تداعيات إنسانية جسيمة وخلق واقع دائم من التهجير القسري.
وجاء ذلك في تقرير صادر عن مركز «عدالة» الحقوقي، أفاد بأن المحكمة العليا في القدس عقدت جلسة للنظر في الالتماس الذي قدّمه المركز ضد قرار الجيش الإسرائيلي هدم 25 بناية سكنية في مخيم نور شمس، في وقت تواصل فيه قوات الاحتلال سياساتها التدميرية بحق مخيمات اللاجئين شمالي الضفة الغربية.
وأوضح المركز أن النيابة العامة أقرت خلال الجلسة بأن أوامر الهدم لا تستهدف مواقع تُستخدم لأغراض عسكرية، وإنما بيوتًا سكنية مدنية تعود لعائلات «لا علاقة لها بأي نشاط عسكري»، ما يعني أن مئات الأشخاص مهددون بفقدان منازلهم.
ورغم هذا الإقرار، تمسكت النيابة بموقفها، مبررة قرار الهدم بادعاء أن المخطط «قد يسهّل مستقبلًا تحركات عسكرية إسرائيلية»، وليس استنادًا إلى ضرورة عسكرية قائمة أو ملحّة.
وبيّن مركز «عدالة» في مرافعته أن القرار لا يمكن اعتباره إجراءً مؤقتًا، بل يؤدي عمليًا إلى خلق واقع من «التهجير القسري المحظور» وفقًا للمعايير الدولية، مؤكدًا أن جميع سكان المخيم يُصنّفون كمدنيين محميين، وأن ممتلكاتهم مشمولة بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني.
وأشار المركز الحقوقي إلى أن القرار يُتخذ في ظل «غياب أي إمكانية فعلية لإعادة البناء»، ما يفاقم الضرر الواقع على السكان ويحوّل الهدم إلى إجراء دائم لا رجعة عنه.
وضمن مرافعتها، أكدت المحامية د. سهاد بشارة أن تبريرات الجيش الإسرائيلي «لا تتوافق مع إطار القانون الدولي الإنساني»، مشددة على أن الجيش «لا يعتزم السماح بإعادة البناء في المناطق التي ستُهدم»، الأمر الذي يفرض واقعًا يمنع السكان من العودة إلى أراضيهم، دون أي اعتبار لحقوقهم الأساسية المعترف بها دوليًا.
وأفاد التقرير بأن الجيش الإسرائيلي أقرّ أمام طاقم الدفاع والمحكمة بأن المباني المشمولة بأوامر الهدم تُستخدم للسكن المدني، ما دفع القضاة إلى طرح تساؤلات جوهرية حول مصير السكان، وإمكانيات التعويض، وإعادة البناء، وسبل تقليص الضرر اللاحق بهم.
وبيّن طاقم الدفاع أن تنفيذ أوامر الهدم، إلى جانب ما هُدم سابقًا في المخيم، سيؤدي إلى تدمير أو إلحاق الضرر بنحو 50% من المباني، في منطقة «خالية من أي نشاط عسكري منذ أكثر من عام»، ما يخلق واقعًا يمنع العودة أو إعادة البناء ويفرغ المخيم من عدد كبير من سكانه.
وأشار مركز «عدالة» كذلك إلى أن الجيش لم يُتح للعائلات «أي فرصة حقيقية لإخراج مقتنياتها أو ترتيب أوضاعها»، ما يعني تنفيذ هدم فوري يترك السكان دون مأوى ودون بدائل، وبدرجات عالية من الإضرار بهم.
وذكّر المركز بأنه قدّم، في 17 كانون الأول 2025، التماسًا عاجلًا إلى المحكمة العليا ضد قرار الجيش الإسرائيلي هدم عشرات المباني السكنية في مخيم نور شمس قرب طولكرم، بذريعة «ضرورات عسكرية»، رغم أن المخيم خالٍ من السكان منذ أشهر ولا تشهد المنطقة أي أعمال قتالية.
وطالب الالتماس بإصدار أمر احترازي وفوري لتجميد تنفيذ أوامر الهدم التي كان مقررًا أن تبدأ صباح 18 كانون الأول، مؤكدًا أن القرار يشكل «انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني»، بما في ذلك حظر تدمير المنشآت المدنية والتهجير القسري.
وعقب تقديم الالتماس، أصدرت المحكمة العليا قرارًا بتجميد تنفيذ أوامر الهدم إلى حين استكمال الفحص القضائي، ولا تزال الأوامر مجمدة مؤقتًا بانتظار قرار نهائي، في وقت يحذّر فيه مركز «عدالة» من أن تنفيذ الهدم سيترك مئات العائلات دون منازل ودون أي إمكانية للعودة.
وفي القدس المحتلة، واصلت قوات الاحتلال اقتحاماتها للمسجد الأقصى المبارك، الأربعاء، حيث اقتحم المسجد 109 مستوطنين و25 طالبًا يهوديًا، إلى جانب 18 عنصرًا من مخابرات وشرطة الاحتلال، ضمن الاقتحامات الاستفزازية المتواصلة التي تشهدها ساحات المسجد.
وعلى صعيد آخر، حذر مكتب إعلام الأسرى من خطر متزايد يهدد حياة الأسرى في عزل سجن «جانوت»، نتيجة تصعيد القمع والاقتحامات التي تنفذها إدارة السجون الإسرائيلية، والتي رافقها ضرب وتنكيل جماعي بحق الأسرى.
وأشار المكتب إلى أن إدارة سجون الاحتلال نفذت ثلاث عمليات قمع متتالية بحق الأسرى بتاريخ 14 و16 و19 كانون الأول الجاري، ما فاقم من قسوة الظروف المعيشية داخل العزل.
وأكد أن أوضاع الأسرى في سجن «جانوت» بالغة القسوة، داعيًا إلى تدخل فوري وعاجل لحماية حياتهم ووقف الانتهاكات والإجراءات الإجرامية بحقهم.
وفي السياق ذاته، وثق الطاقم القانوني لهيئة شؤون الأسرى أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة يعيشها الأسرى داخل سجني «عوفر» و“النقب»، عقب زيارات ميدانية عكست واقعًا قاسيًا في أماكن الاحتجاز والتحقيق.
وأفادت الهيئة بوجود تدهور واضح في الأوضاع الصحية، نتيجة الإهمال الطبي المستمر، والنقص الحاد في الأدوية الأساسية، وغياب المتابعة الصحية، ما أدى إلى تفاقم العديد من الحالات المرضية بين الأسرى.
كما أشارت إلى نقص شديد في الألبسة والأغطية، ما يضطر الأسرى لاستخدام ملابس بالية وغير كافية، في انتهاك صريح للمعايير الإنسانية والدولية.
وذكر الأسرى الذين تمت زيارتهم أنهم يعانون من حرمان متواصل من الزيارات العائلية، وما يرافق ذلك من آثار نفسية قاسية، إضافة إلى التنقلات المفاجئة والمتكررة بين الأقسام والسجون، التي تُستخدم كوسيلة ضغط نفسي وجسدي.
ووثق الطاقم القانوني شكاوى متكررة حول القمع والتنكيل، من خلال التفتيش المهين، والعقوبات الجماعية، والتضييق اليومي الذي يمس كرامة الأسرى وحقوقهم الأساسية. وأكدت الهيئة أن هذه الممارسات تشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني والمواثيق الدولية، محمّلة سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن سلامة الأسرى.
وفي ختام المشهد، أعلن مكتب إعلام الأسرى أن الاحتلال صعّد من إجراءات القمع داخل عزل سجن «جانوت» خلال شهر كانون الأول، حيث نفذت وحدات السجون ثلاث حملات قمع متتالية في أيام 14 و16 و19 من الشهر، تخللتها اعتداءات بالضرب والتنكيل الجماعي بحق الأسرى دون استثناء، محمّلًا الاحتلال المسؤولية الكاملة عن سلامة الأسرى، ومطالبًا بتدخل حقوقي وإنساني عاجل لوقف الجرائم داخل السجون.