توالي المنخفضات الجوية وتدفق الخيرات المطرية على ربوع المملكة، يبرز تساؤلاً استراتيجياً يتجاوز حدود الفرح بالمطر: كيف نحول هذه الهطولات إلى مخزون استراتيجي يؤمن صيف الأردنيين؟.
في وقت تصنف فيه المملكة كواحدة من أفقر دول العالم مائياً، لم يعد «الحصاد المائي» مجرد خيار تكميلي، بل استحقاق وطني يستوجب تبني طرق غير تقليدية وسريعة لتعظيم الاستفادة من كل قطرة مطر، والتحول من الاعتماد الكلي على الشبكة العامة إلى حلول مبتكرة تحقق الاكتفاء الذاتي المائي.
وأكد خبراء ومسؤولون زراعيون ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة وفنية لتعظيم الاستفادة من مياه الأمطار، محذرين من استمرار ضياع كميات هائلة من الهطول المطري السنوي دون استثمار حقيقي، في وقت يصنف فيه الأردن كواحد من أفقر الدول مائياً في العالم.
وفي هذا الصدد، أكد مدير مياه إربد، المهندس صالح المومني، أن التحديات المائية التي تواجهها المملكة تتطلب تحولاً جذرياً في ثقافة الاستهلاك والتعامل مع الهطولات المطرية، مشدداً على أن «الحصاد المائي المنزلي» عبر إنشاء الآبار والحفائر التجميعية يمثل الحل الاستراتيجي والأكثر فاعلية للتصدي لظاهرة نقص المياه وتذبذب التزويد خلال فصل الصيف.
وأضاف المومني أن الرؤية المستقبلية للأمن المائي تتطلب إجراءات حازمة، حيث دعا إلى ضرورة جعل إنشاء آبار جمع مياه الأمطار «شرطاً إجبارياً» لمنح رخص البناء لأي منزل أو منشأة جديدة.
وفي السياق كشف مدير زراعة محافظة إربد، الدكتور عبد الحافظ أبو عرابي، عن نجاح المديرية في تنفيذ 2750 بئراً لتجميع مياه الأمطار خلال السنوات الثلاث الماضية، وبكلفة إجمالية بلغت نحو 4 ملايين دينار. موزعة على كافة ألوية وقرى محافظة إربد.
وأشار أبو عرابي إلى أن هذا التوسع في إنشاء الآبار يأتي ضمن خطة الوزارة لتعزيز الأمن المائي والغذائي، مؤكداً أن مديرية زراعة إربد تضع مشروع «الحصاد المائي» على رأس أولوياتها، نظراً للأثر الإيجابي الملموس الذي أحدثته هذه الآبار في ديمومة الزراعات المنزلية والحدائق، وتقليل الاعتماد على مياه الشبكة.
من جهتها، طرحت نائب رئيس فرع نقابة المهندسين في إربد، المهندسة دينا شحرور، رؤية هندسية متكاملة لمواجهة الواقع المائي، مؤكدة أن الحل يرتكز على مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في التوسع في إنشاء السدود المائية التي تتناسب مع الطبيعة الجغرافية والطبوغرافية لمحافظة إربد.
أما المسار الثاني بحسب الشحرور، فهو تعزيز ثقافة «الحفائر المائية المنزلية» وتقنيات الحصاد من أسطح المباني، حيث أشارت إلى أن نقابة المهندسين تولي هذا الجانب أهمية كبرى من خلال المخططات الهندسية والتدقيق الفني.
ودعا رئيس جمعية الحمضيات، عبد الرحمن الغزاوي، إلى إطلاق خطة طوارئ تنقسم إلى جزئين؛ الأول يستهدف حصاداً مائياً سريعاً خلال الموسم المطري الحالي والقادم وحث الغزاوي المزارعين على إنشاء حفائر في المناطق الصحراوية ومجاري السيول لاستخدامها في الري وسقاية المواشي، مؤكداً أن هذا الإجراء عاجل ولا يحتمل التأجيل.
كما طالب الغزاوي الجهات الحكومية بالتدخل الفوري لتحويل مسارات السيول نحو السدود والحفائر الكبيرة، بدلاً من ضياعها في أراضٍ غير مهيأة فنياً، مشيراً إلى إمكانية تطبيق ذلك في الأراضي المملوكة للدولة كحل سريع ومتاح.
وعلى المدى المتوسط، اقترح الغزاوي البدء بتنفيذ حملة وطنية لتنظيف السدود من «الطمي» والرواسب التي تراكمت عبر السنوات، مما أدى إلى تراجع قدرتها التخزينية وتسبب في جفاف بعضها في منتصف الصيف الماضي. وأشار إلى أن نهاية الصيف القادم هي الوقت الأمثل لهذا الإجراء عند انخفاض منسوب المياه.
من جانبه، سلط الباحث في الاقتصاد الأخضر، المهندس الزراعي مازن أبو قمر، الضوء على «الفجوة الواضحة» بين كميات الأمطار التي يستقبلها الأردن وبين ما يتم استثماره فعلياً.
ودعا الى تحسين الإنتاج الزراعي: عبر توفير «ري تكميلي» للمناطق البعلية خلال الفترات الحرجة، مما يعزز استقرار الإنتاج الغذائي.