أصيب فلسطينيان، أمس السبت، برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي وبالاعتداء بالضرب، فيما اعتُقل ثلاثة آخرون، خلال سلسلة اقتحامات نفذها الجيش الإسرائيلي في مناطق متفرقة من الضفة الغربية المحتلة، في سياق متواصل من العمليات العسكرية التي تتزامن مع تصعيد استيطاني غير مسبوق.
وأفادت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بأن طواقمها تعاملت مع إصابة خطيرة لشاب أصيب بالرصاص الحي في الرأس، خلال اقتحام قوات الاحتلال بلدة قراوة بني زيد شمال غرب رام الله، حيث جرى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج.
وفي بلدة الزاوية غرب سلفيت، داهمت قوات الاحتلال عددًا من منازل المواطنين، وعبثت بمحتوياتها، واعتقلت شابًا، واعتدت بالضرب المبرح على آخر. وبحسب مصادر محلية، اعتدت القوات على الشاب إياد عبد الحليم، ما استدعى نقله إلى مركز الزاوية التخصصي لتلقي العلاج. كما اعتقل الجيش الإسرائيلي الشاب محمد شقير، نجل رئيس بلدية الزاوية، عقب دهم منزل عائلته وتفتيشه.
وفي جنوب الضفة الغربية، اقتحمت قوات الاحتلال بلدة الكرمل جنوب الخليل، واعتقلت الأسير المحرر منتصر أبو عرام بعد مداهمة منزله وتفتيشه. كذلك اقتحمت بلدة دورا جنوب غربي الخليل، واعتقلت الشاب معاذ إبراهيم نصار عقب دهم منزله والعبث بمحتوياته، وفق شهود عيان.
وفي بلدة طمون جنوب طوباس، اعتقلت قوات الاحتلال الشاب مختار نضال بني عودة أثناء مروره عبر حاجز عسكري عند مدخل مدينة أريحا.
هذه الوقائع الميدانية لا تنفصل عن السياق الأوسع لما تشهده الضفة الغربية. فلم يعد الاستيطان الإسرائيلي مجرد سياسة أمر واقع تفرضها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على الأرض، بل بات مشروعًا سياسيًا متكاملًا عابرًا للحدود، يجد في الولايات المتحدة – رسميًا وشعبيًا ودينيًا – مظلة دعم غير مسبوقة.
ويكشف التقرير الأسبوعي الصادر عن المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان، للفترة ما بين 13 و19 كانون الأول 2025، عن ملامح مرحلة جديدة من هذا المشروع، تقوم على إعادة تعريف الاستيطان قانونيًا، وتطبيعه سياسيًا، وتغليفه دينيًا، تمهيدًا لتكريسه كحقيقة نهائية غير قابلة للنقاش.
سياسة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تعد تكتفي بالانحياز التقليدي لإسرائيل، بل تجاوزت ذلك إلى دور الشريك المباشر في صياغة مشهد الضفة الغربية. فإلغاء العقوبات الأميركية عن مستوطنين وكيانات استيطانية متورطة في أعمال عنف، وفق ما أوردته صحيفتا هآرتس ويديعوت أحرونوت في تقارير سابقة، لم يكن مجرد إجراء إداري، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن عنف المستوطنين لم يعد عبئًا سياسيًا، بل أداة ضغط تخدم المشروع الاستيطاني.
هذا الانحياز لا يظهر فقط في الصمت الأميركي تجاه الجرائم اليومية، بل في تبني السردية الإسرائيلية بالكامل، والتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها «مساحة متنازعًا عليها إداريًا»، لا أرضًا محتلة وفق القانون الدولي، وهو توصيف تكرره تقارير صادرة عن وزارة الخارجية الإسرائيلية ومسؤولين في حكومة الاحتلال.
تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، حول أن بناء 19 مستوطنة جديدة في المنطقة (ج) «لا يشكل انتهاكًا للقانون»، تمثل جوهر هذا التحول الخطير. فقد نقلت وسائل إعلام إسرائيلية، بينها القناة 12 وهآرتس، قوله إن الفلسطينيين محصورون في المنطقتين (أ) و(ب)، بينما تُترك المنطقة (ج) – التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة – للتوسع الاستيطاني.
هذا الطرح يعكس تبنيًا صريحًا لنموذج الفصل العنصري، وإن جرى تجميله بلغة إدارية وقانونية مضللة. فما يقترحه هاكابي عمليًا ليس حلًا سياسيًا، بل نظام معازل مغلقة، أشبه بـ«البانتوستانات» التي عرفها نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، مع فارق أن النسخة الإسرائيلية أكثر قسوة، لأنها تُنفذ تحت غطاء أمني وعسكري دائم، وبدعم مباشر من القوة العظمى الأولى في العالم.
قرار «الكابينت» الإسرائيلي إقامة 19 مستوطنة جديدة، بينها مستوطنات سبق إخلاؤها عام 2005، لم يكن خطوة إسرائيلية أحادية. فقد كشفت تسريبات نشرتها صحيفتا يديعوت أحرونوت وإسرائيل اليوم أن القرار جرى بتنسيق مباشر مع إدارة ترامب، التي طلبت إبقاءه بعيدًا عن الإعلام في مرحلته الأولى.