خسر المنتخب الوطني لكرة القدم المشهد النهائي من بطولة كأس العرب، ولكنه كسب ما هو أهم من اللقب.. ورغم أن الكأس في النهاية ذهبت إلى المنتخب المغربي، فإن ما قدّمه النشامى منذ انطلاق هذه البطولة، وصولًا إلى المباراة النهائية، يُعد إنجازاً تاريخياً يستحق التوقف عنده، والنشامى اليوم ليس مجرد منتخب، بل رمز لوطن بأكمله، وما قدّمه في كأس العرب هو وعد بمستقبل أفضل، حيث يظل الحلم قائماً، والطموح أكبر، والهدف أن يكون الأردن حاضراً بقوة في كأس العالم ٢٠٢٦، ليواصل كتابة قصة المجد بعزيمة لا تعرف الانكسار.
المشوار إلى النهائي العربي لم يكن سهلًا، بل كان مليئاً بالتحديات، وأظهر المنتخب الوطني شخصية قوية، حيث تجاوز الأدوار الأولى بثبات، ونجح في تخطي منافسين أقوياء حتى بلغ النهائي، فكشف النشامى عن معدنه الحقيقي، وعن قدرة الفريق على التماسك والتطور مع كل مباراة.
استهل النشامى مشواره نحو النهائي بانتصار مهم على الإمارات 2-1، وفي المباراة الثانية، تجاوز الكويت 3-1، وفي الثالثة، أمام مصر، حقق النشامى فوزًا عريضًا بثلاثية نظيفة، وفي الأدوار الإقصائية، تجاوز العراق في ربع النهائي بهدف دون رد، ثم حسم مواجهة نصف النهائي أمام السعودية بهدف ثمين، ليؤكد أحقيته بالوصول إلى النهائي عن جدارة واستحقاق، من خمسة انتصارات كاملة وهو ما لم يحققه أي منتخب منذ نشأة بطولة كأس العرب.
أمس الأبطال عادوا إلى أرض الوطن يرافقهم سمو الأمير علي بن الحسين رئيس الاتحاد، وقبل ذلك بليلة لم يخض النشامى أمام المغرب مجرد مباراة كرة قدم، بل رسم لوحة وطنية متكاملة جسّد فيها روح العطاء والإصرار، فقوبل بالتقدير وعبارات الفخر، ورغم الهدف المغربي المفاجئ في البدايات، عاد المنتخب ليُظهر روحاً قتالية عالية، وبذل اللاعبون جهداً كبيراً في مواجهة خصم قوي يمتلك عناصر مميزة وتجربة واسعة، وكاد أن يفرض تفوقه في النهاية.
ورغم الخسارة، فإن الأداء الذي قدّمه النشامى كان عنواناً للفخر، إذ أظهر أن الأردن قادر على مقارعة كبار المنتخبات العربية، وأن الوصول إلى النهائي لم يكن صدفة، بل نتيجة عمل جماعي وتضحيات كبيرة.
وللإنصاف، كانت مواجهة منتخب المغرب اختباراً مهماً للنشامى، وأظهرت الفوارق التي يجب العمل على تقليصها في المستقبل، والاعتراف بقوة الخصم لا يقلل من قيمة ما قدّمه النشامى، بل يضع أمامه خارطة طريق واضحة لتطوير الأداء والارتقاء بالمستوى الفني والبدني.
ولا يمكن الحديث عن هذه البطولة دون الإشادة باللاعبين الذين حملوا المسؤولية بكل شجاعة، وواجهوا ظروفاً صعبة تمثلت في غياب عدد من الأسماء البارزة عن المنتخب بسبب الإصابات أو التزاماتهم مع أنديتهم، ومع ذلك، برزت أسماء جديدة لمعت في سماء البطولة، وأثبتت أن الأردن يمتلك قاعدة واسعة من المواهب القادرة على حمل الراية في المستقبل.
في ظل هذه الغيابات المؤثرة، تركت أسماء عديدة جديدة بصمة واضحة، وفتحت الباب أمام الجهاز الفني للاستفادة منهم في المرحلة المقبلة، فهؤلاء اللاعبون أثبتوا أن الأردن يمتلك طاقات واعدة تحتاج فقط إلى الثقة والدعم، ليكونوا جزءاً من مشروع طويل الأمد يهدف إلى رفع مستوى المنتخب الوطني.
والجماهير الأردنية أيضاً كانت جزءاً أصيلًا من هذا الإنجاز، فقد حضرت بقوة في المدرجات، وساندت الفريق بروح وطنية عالية، لتؤكد أن كرة القدم في الأردن ليست مجرد رياضة، بل هي مساحة للتعبير عن الانتماء والفخر.
أما الجهاز الفني، بقيادة المدرب جمال سلامي، فقد نجح في إدارة المشوار بحكمة، وقدم قراءة تكتيكية متوازنة، رغم التحديات الكبيرة التي واجهته.
ثقة ودلالات
ولعل من أبرز ما رافق هذه البطولة تجديد الثقة بالمدرب جمال سلامي، الذي نجح في قيادة الفريق إلى النهائي، وأثبت أنه قادر على بناء مشروع كروي متكامل.
إن الثقة التي منحها له الاتحاد والجماهير ستعزز استقرار المنتخب، وتفتح المجال أمامه لمواصلة العمل على تطوير الأداء وصقل المواهب.
كما عكس توجيه جلالة الملك عبدالله الثاني بمنح سلامي الجنسية الأردنية تقديراً لما قدّمه مع المنتخب، ويؤكد أن الأردن ينظر إلى كرة القدم باعتبارها مشروعاً وطنياً يستحق الدعم والرعاية.
هذه الثقة تمثل خطوة تحمل دلالات كبيرة، في مقدمتها أن الاهتمام الهاشمي بالرياضة الأردنية، وفي مقدمتها كرة القدم، نهج ثابت، وخصوصاً أن توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني طالما أكدت أن الرياضة ليست ترفاً، بل مشروع وطني، ومنح الجنسية الأردنية للمدرب سلامي كان رسالة عميقة بأن من يخدم المنتخب يخدم الوطن، ويستحق بالتالي التقدير والثناء.
كما يأتي ظهور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، كمشجع ومؤازر، امتداداً لرؤية جلالته، ويجسد صورة القائد الشاب الذي يشارك أبناء شعبه فرحة الانتصار وحرقة الخسارة.
أما سمو الأمير علي بن الحسين، فقد حمل على عاتقه مسؤولية كبيرة، فكان داعماً للمنتخبات، ومتفائلاً بأن الأردن قادر على أن يكون رقماً صعباً في الساحتين الآسيوية والدولية.
نحو كأس العالم ٢٠٢٦
الإنجاز الذي تحقق في كأس العرب يجب أن يكون نقطة انطلاق نحو المستقبل، فالمشاركة المرتقبة في كأس العالم ٢٠٢٦ تتطلب إعداداً مكثفاً.
وبناءً على ما ظهر في البطولة، ولأن المنتخب يمتلك الأساس الذي يمكن البناء عليه، فالمطلوب الآن هو الاستفادة من التجربة، معالجة الأخطاء، وتعزيز نقاط القوة، ليكون الفريق جاهزاً لمقارعة المنتخبات العالمية.
المونديال لن يكون سهلًا على الإطلاق، ولكنه ليس مستحيلًا، ومع العمل الجاد والدعم المستمر، يمكن للنشامى أن يكتب فصلًا جديداً في تاريخ الكرة الأردنية.
ومن هنا إلى كأس العالم 2026 يأمل المتابعون بتعافي اللاعبين الذين تعرضوا للإصابة، مثل يزن النعيمات وأدهم القريشي، الذين قدّموا الكثير قبل أن توقفهم الظروف، وغيرهم من الأسماء فوجودهم يشكل إضافة كبيرة للمنتخب الوطني، ويعزز من قوة الفريق في الاستحقاقات القادمة.