الصباغ: الملك يؤمن بأن الفكر الإصلاحي يفقد قيمته ما لم يتحول إلى ممارسة
عضيبات: الشباب شركاء في صناعة القرار الوطني
الخرابشة: مواءمة القوانين مع متطلبات الدولة الحديثة
الحجوج: تطوير الأداء الإداري وتحسين كفاءة المؤسسات
عقدت جامعة جرش الأهلية وبالشراكة مع مبادرة "يلا نشارك يلا نتحزب" وكلية الحقوق، مؤتمرًا حواريًا وطنيًا بعنوان "مؤتمر رؤى التحديث: الشباب محور الاهتمام"، برعاية رئيس الجامعة الدكتور محمد خليل.
ويأتي المؤتمر ضمن برنامج الحوارات الوطنية الذي تنفذه مبادرة "يلا نشارك يلا نتحزب" في مختلف محافظات المملكة، ويخصص جلسة حوارية رئيسية بعنوان "رؤى التحديث في سياق التطوير الشامل للمسارات السياسية والاقتصادية والإدارية"، بهدف تسليط الضوء على دور الشباب في مسارات التحديث والإصلاح الوطني.
شارك في الجلسة عدد من الشخصيات السياسية والرسمية، من بينهم وزير العمل الاسبق الدكتور عاطف عضيبات ووزير الدولة للشؤون القانونية الأسبق الدكتور محمود الخرابشة، وعضو اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية المحامي محمد خير الصباغ، و عضو اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية المحامي محمد الحجوج.
وتناول عضيبات خلال مداخلته أبرز ملامح التحديث السياسي، مؤكدًا أهمية تطوير التشريعات الناظمة للحياة الحزبية، وتعزيز مشاركة الشباب في العمل السياسي باعتبارهم شركاء حقيقيين في صناعة القرار الوطني.
بدوره، تحدث الخرابشة عن الإصلاح التشريعي وسيادة القانون، مشددًا على ضرورة مواءمة القوانين مع متطلبات الدولة الحديثة، وتعزيز الثقة بالمنظومة القانونية بما يحقق العدالة ويخدم الصالح العام.
فيما استعرض الحجوج محاور التحديث الإداري وبناء القدرات المؤسسية، متناولًا أهمية تطوير الأداء الإداري وتحسين كفاءة المؤسسات بما ينعكس إيجابًا على جودة الخدمات العامة.
وقال الصباغ في كلمته، إن منظومة التحديث السياسي في الأردن تمثل ذروة المشروع الإصلاحي الذي أراده جلالة الملك عبد الله الثاني منذ مطلع عهده، حيث لم يكتف جلالته بصياغة رؤية إصلاحية في الأوراق النقاشية السبعة وخطاباته المتعددة في المحافل الوطنية والدولية، بل عمل على تحويل تلك الرؤية إلى مسار عملي قابل للتنفيذ عبر خطوات تشريعية ومؤسسية محددة.
وأضاف: "لقد كان جلالة الملك واعيًا أن التحدي الأكبر أمام الدولة الأردنية ليس في المحافظة على الاستقرار وحده، وإنما في تأسيس نموذج جديد من الحكم يقوم على المشاركة الشعبية الواسعة، وسيادة القانون، والاعتماد على العمل الحزبي البرامجي القادر على إنتاج حكومات برلمانية في المستقبل.
وأشار إلى أنه من هذا المنطلق، جاءت الأوراق النقاشية الملكية لتضع الأسس الفكرية لهذه الرؤية، إذ ركزت على ضرورة بناء عقد اجتماعي جديد يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن، قائم على المواطنة الفاعلة، والتعددية السياسية، وشفافية القرار، وهي القيم التي شكّلت لاحقًا القاعدة النظرية لمنظومة التحديث السياسي.
وقال إن جلالة الملك يؤمن أن الفكر الإصلاحي يفقد قيمته ما لم يتحول إلى ممارسة، فقد أطلق مبادرته التاريخية في عام 2021 حين أمر بتشكيل اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، التي جسدت لأول مرة التقاء الإرادة السياسية العليا بالتوافق المجتمعي العريض، حيث ضمت في عضويتها ممثلين عن مختلف القوى السياسية والحزبية والطلابية والنقابية والنسائية.
وقال إن جلالته عبر في أكثر من مناسبة عن قناعته بأن مستقبل الأردن لا يمكن أن يبنى إلا على أساس من العمل الجماعي الذي يفتح المجال أمام الشباب والمرأة لتصدر المشهد، ويجعل من الأحزاب مؤسسات وطنية لا واجهات شكلية، ويرسّخ ثقافة الحوار والتنافس البرامجي بدلاً من الاصطفافات الضيقة.
وأضاف: "لقد شكلت مخرجات اللجنة الملكية نقطة تحول في التاريخ الدستوري والسياسي للمملكة، إذ أدت إلى تعديلات جوهرية في الدستور، كان أبرزها خفض سن الترشح لمجلس النواب إلى خمسة وعشرين عامًا بما يعكس إيمان الملك العميق بقدرة الشباب على قيادة المستقبل، وإدراج مصطلح الأردنيات في المادة السادسة لتأكيد المساواة بين الجنسين وتوسيع آفاق تمكين المرأة، فضلاً عن التأسيس القانوني لدور الأحزاب السياسية بحيث تصبح الكتلة البرلمانية الأكبر مؤهلة لتشكيل الحكومات، وهو ما كان جلالة الملك قد دعا إليه مرارًا في خطبه ولقاءاته مع القوى المجتمعية.
وقال إنه ترافق ذلك مع إصدار قانوني انتخاب وأحزاب جديدين يمثلان نقلة نوعية في مسار الإصلاح، حيث فتح قانون الأحزاب المجال أمام دمج الأحزاب الصغيرة في كيانات أكبر وأكثر تأثيرًا، وألزمها بتمثيل حقيقي للشباب والنساء في هياكلها القيادية، في حين جاء قانون الانتخاب ليعكس إرادة جلالته في تعميق التعددية من خلال تخصيص مقاعد للقوائم الحزبية الوطنية، بما يسمح بتشكيل كتل برلمانية قادرة على ممارسة دور سياسي متماسك. وفي هذا السياق، أثبتت الأوراق النقاشية الملكية صدقيتها من خلال نتائج ملموسة ظهرت في المنظومة الجديدة.
وأكد أنه لم يكن الهدف في فكر جلالة الملك مجرد تغيير النصوص، بل إحداث تحول ثقافي في وعي المجتمع تجاه الممارسة الديمقراطية، وهو ما عبر عنه في أكثر من مناسبة عندما أشار إلى أن التحديث السياسي ليس معزولًا عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بل هو شرط أساسي لخلق بيئة آمنة ومستقرة تتيح الاستثمار والإبداع وتفتح الأفق أمام جيل جديد يقود الدولة في مئويتها الثانية.
وقال إن هذه الرؤية تحسد عمليًا في انتخابات 2024، التي كانت أول اختبار لمخرجات المنظومة، حيث دخلت الأحزاب البرلمان لأول مرة بكتل حقيقية، وارتفع حضور الشباب والنساء، وبدأت ملامح الحياة السياسية البرلمانية الجديدة بالتشكل، وهو ما أكد على صدقية الخيار الملكي في المضي نحو إصلاح متدرج لكنه راسخ.
وقال الصباغ إن قراءة متعمقة لفكر جلالة الملك تكشف أن جوهر مشروع التحديث السياسي هو الانتقال من السياسة الفردية إلى السياسة المؤسسية، ومن الانتماءات الضيقة إلى الانتماء الوطني الجامع، ومن الإصلاح المؤجل إلى الإصلاح الممأسس، وكل ذلك ضمن فلسفة ملكية تؤمن أن الديمقراطية ليست قفزة في المجهول بل مسار واعٍ متدرج يحمي الدولة ويجدد حيويتها في آن واحد.
وفي ختام المؤتمر دار نقاش موسّع مع طلبة الجامعة، تخللته أسئلة ومداخلات عكست مستوى الوعي والاهتمام بالقضايا الوطنية، وأكدت أهمية استمرار عقد مثل هذه اللقاءات الحوارية التي تسهم في ترسيخ ثقافة الحوار البنّاء وتعزيز دور الشباب في مسيرة التحديث الشامل.