حجازين: الكنيسة جزء أصيل من الهوية الأردنية الجامعة التي ترى في التّنوع الديني مصدر قوّة
مندوبا عن حضرة صاحبِ الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثّاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه، رعى وزيرُ السّياحة والآثار الدكتور عماد حجازين الإثنين حفل افتتاحِ كنيسة العقبة الأثرية بعد انتهاء أعمال الترميم فيها، في حدث وطني ودولي بالغِ الأهمية، يعيد تسليط الضوء على أحد أقدم الشواهد المسيحيّة في العالم، ويؤكد المكانة التاريخية لمدينة العقبة كحاضنة للعيشِ المشترك ووحدةَ النسيج الإنساني منذ فجر التاريخ.
جرى الحفل بحضور رئيس سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة شادي رمزي المجالي، ومحافظ العقبة أيمن العوايشة، ومديرِ عام دائرة الآثار العامة الدكتور فوزي أبو دنه ومديرِ أوقاف العقبة الدكتور فارس الجوازنة، ومطرانِ الأردن للروم الأرثوذكس رئيس مجلس رؤساء الكنائسِ في الأردن المطران خريستوفوروس عطالله، والنائب البطريركي للاتين في الأردنّ المطران إياد طوال، إلى جانب عدد من أصحاب الفضيلة والسماحة، وعدد من الآباء الكهنة الأجلاء، وشخصيات رسمية وثقافية واجتماعية.
وفي مشهد شكل الحضور فيه لوحة إنسانية جسدت وحدةَ القيم الدينية على أرض الأردن، قدمت مدرسة الموسيقى البيزنطية – بسالتريون، بمشاركة جوقة موزايكا، باقة من التراتيل البيزنطية التي حملت الحضور في رحلة روحية أعادت الألحان إلى عمقِ العصورِ الأولى، حيث ولدت الصلاة في قلب الكنيسة، وارتفعت الأنغام لغة للإيمان، وجسرا يصل الحاضر بجذورِ الكنيسة الأولى.
وفي كلمة الافتتاحية قال وزير السّياحة والآثار الدكتور عماد حجازين إن افتتاح كنيسة العقبة الأثرية لا يأتي بوصفها موقعا أثريا فحسب، بل كجزء أصيل من الهوية الأردنية الجامعة التي ترى في التنوع الديني مصدر قوة، وفي التاريخ المشتَرك أساسا للمستقبل، مؤكدا أن هذا الإنجاز يجسد قيم العيش المشتَرَك ويعكس عمق الرعاية الهاشمية للمقدسات الإسلامية والمسيحية، ويبرز الدور التاريخي للعقبة بوصفها بوابة الأردن الجنوبية ونقطة التقاء للحضارات.
وأضاف أن افتتاح الكنيسة يؤكد مضي الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، في حماية إرثه الروحي والإنساني، وتعزيزِ حضوره على خارطة السياحة الدينية والثقافية العالمية، مشيرا إلى أن الموقع يشكل إضافة نوعيّة للحفاظ على الإرث الحضاري الوطني وتعزيزِ مكانة الأردن مركزا للتاريخِ ومِنبرا للسلام.
وبدوره، أكد المجالي أن افتتاح كنيسة العقبة الأثرية لا يقتصر على الإعلان عن موقع أثري جديد، بل يشكل احتفاء عميقا بتاريخ المدينة ورسالتها الإنسانية، مشيرا إلى أن العقبة كانت، مذ كانت أيلة، ملتقى للحجاجِ والتجار والعابرين، ومدينة عرفت عبر الزمان وحدةَ الروح وصدق الجيرة، واحتضنت المؤمنين على اختلاف كنائسهم ومساجدهم، ونسجت بينهم أخوة راسخة امتدت عبر الأجيال.
وأضاف إنّ هذا الافتتاحَ يأتي انسجامًا مع الرّؤيةِ الحكيمة لجلالة الملك عبدالله الثّاني ابن الحسين، وبدعمِ سموِّ ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثّاني، حيث تمضي العقبة في مسارٍ تنمويٍّ متوازِنٍ يحافظ على إرثِها الدّيني والتّاريخي، ويعزّز مكانتَها كوجهةٍ للسّياحةِ الرّوحيّةِ والثّقافيّةِ إلى جانب السّياحةِ البحريّةِ والتّرفيهيّة، بما يحقّقُ تنميةً مستدامةً تحترم روح المكان وتاريخَه.
من جهتِه، أكّد المطران خريستوفوروس إنّ افتتاحَ كنيسةِ العقبة الأثريّةِ اليومَ ليس حدثًا كنسيًّا فحسب، بل شهادةً أردنيّةً حيّةً على أن هذه الأرض كانت وما زالت أرضَ لقاء للقداسة والأنبياء والقدّيسين، وأرضَ إيمانٍ لا إقصاء، وأرضَ كرامة إنسانيّةٍ صانَها التّاريخُ وحمتها القيم.
وأضاف: "هنا، في العقبة، نقرأ التّاريخَ بعيون المحبّة، ونسمع في حجارة الكنيسة صدى رسالةٍ واحدة: إن الإنسانَ هو قدسُ الأقداس، وإنّ الإيمانَ الحقيقيَّ لا يُبنى إلا على احترام الآخَر وصونِ كرامته.”
وتابع إنّ ما نشهَدُه اليومَ هو ثمرةُ نهجٍ هاشميٍّ راسخ، قاده جلالة الملك عبدالله الثّاني ابن الحسين، حفظه الله، ورسّخه في خطاب العرش الأخير، حين وجّه جلالتُه وصيّتَه الأبويّةِ لسموِّ ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثّاني بأن تكون مخافةُ الله والبوصلةُ الأخلاقيّةُ أساسَ القيادة، وحملُ رسالةِ الأردنّ القائمة على الإيمان العميق، والتّعدديّة، والاعتدال، وحماية المقدّسات، وترسيخ قيم العيش المشترَك
بدوره، قال المطران إياد طوال أنّ حدثَ اليومِ يحمل دلالاتٍ هامّةً تعكسُ مكانةَ الأردنّ بوصفِه مهدًا للحضاراتِ والأديان، مؤكّدًا أنّ الآثار التّاريخيّةَ المنتشرةَ في أنحاء المملكةِ تشهد على جذورِ هذه الأرض المقدّسةِ التي حملت رسالة محبّةٍ وتناغم عبر العصور، وإن الأردنّ، في ظلّ القيادة الهاشميّة، يمثّلُ نموذجًا إنسانيًّا يُحتذى به في التّعدّديّةِ الدّينيّةِ والثّقافيّة.
وتُعدُّ كنيسةُ العقبة الأثريّة من أقدمِ الكنائس المكتَشَفةِ في العالم، إذ تشيرُ المصادر التّاريخيّةُ إلى أنّها شُيّدت في تسعينيّات القرن الثّالث الميلادي، نحو عام 290م، وقد بُنيت خصّيصًا للعبادة، ما يقدّمُ اليومَ لمحةً فريدةً عن العَمارةِ المسيحيّة المُبكرة.
ويأتي افتتاحُ الكنيسةِ اليومَ إضافةً نوعيّةً للمشهد الدّينيّ والثّقافيّ في المملكة، وإسهامًا في تعزيز مكانة العقبة على خارطة السّياحةِ الدّينيّة العالميّة، إلى جانب كونِها شاهدًا حيًّا على تاريخ المدينةِ العريقِ ودورِها الحضاريّ الممتدّ عبر القرون، ورسالةً أردنيّةً واضحةً للعالم في صون التّراث، واحترام الإيمان، وتكريسِ قيَمِ العيش المُشترَك.