تتوسط مدينة كفرنجة في محافظة عجلون مطحنة وجاروشة قديمتان ما تزالان تقفان شاهدتين على حقبة مهمة من تاريخ الريف الأردني، وكنزًا تراثيًا يعكس تفاصيل الحياة اليومية لجيل اعتمد على هذه المنشآت في تأمين غذائه وبناء نمط معيشته قبل دخول الآلات الحديثة إلى البيوت والحقول.
ويقول صاحب المطحنة عيسى بعاره إن التطور الذي شهدته أساليب الزراعة وإنتاج الحبوب لم يلغِ المكانة الخاصة التي ما تزال تحتفظ بها المطحنة والجاروشة في وجدان أبناء المنطقة وزوارها، لما تمثله من رمز للهوية والتراث وارتباط وثيق بالماضي.
وأشار بعاره إلى أن المطحنة تتميز ببنائها الحجري المتين الذي يجسد دقة العمارة الريفية التقليدية، القائمة على استثمار المواد المحلية مثل الحجر والطين والخشب، حيث تعكس تفاصيل البناء مهارة الحرفيين الذين صمموها بما يتناسب مع طبيعة الاستخدام ومسارات الحركة داخلها.
وبيّن أن المطحنة تضم مجموعة من الأدوات التقليدية التي استُخدمت في طحن القمح والشعير والذرة، ولا تزال محافظة على شكلها الأصلي، ما يمنح الزائر فرصة نادرة للتعرف على تفاصيل العمل اليومي في الماضي ومشاهدة الآلات اليدوية التي شكّلت أساس الصناعات الغذائية في الريف الأردني.
من جهته، أوضح رئيس ملتقى أبناء كفرنجة عبدالرحمن العسولي أن المطحنة لم تكن مجرد مكان لطحن الحبوب، بل شكلت مساحة اجتماعية للقاء أبناء المنطقة وتبادل الأحاديث ونقل الأخبار اليومية، ما جعلها مركزًا نابضًا بالحياة الريفية ومجسّدًا لقيم التعاون والتكافل الاجتماعي.
وأضاف أن هذه اللقاءات اليومية أسهمت في ترسيخ مكانة المطحنة في الذاكرة الجمعية للأهالي عبر أجيال متعاقبة، لتصبح جزءًا لا يتجزأ من تاريخ العمل والحياة والتواصل الإنساني في المنطقة.
بدوره، أشار رئيس فرع جمعية البيئة محمد الخطاطبه إلى أن تنامي الاهتمام بالسياحة الداخلية والتراثية في السنوات الأخيرة أعاد تسليط الضوء على المطحنة كمعلم قادر على جذب محبي التاريخ والطبيعة، ونموذج حي يمكن إدماجه ضمن المسارات السياحية التراثية.
وأكد الخطاطبه أن مطحنة وجاروشة كفرنجة ليستا مجرد مبنى قديم، بل تمثلان ذاكرة مكان وهوية مجتمع، وركنًا أساسيًا من تاريخ الريف العجلوني، مشددًا على أن الحفاظ على هذا النوع من التراث يعني صون قصة الإنسان وأسلوب حياة كامل أسهم في تشكيل الشخصية الريفية للأردنيين عبر الزمن.